الزامبو... من ظاهرة ميناوية إلى لبنانية (صور وفيديو)

18 شباط 2018 | 15:42

المصدر: "النهار"

الزمبو.

نفذ أبناء الميناء في طرابلس يومهم السنوي المعروف بـ"الزامبو"، الطقس الذي اعتادوا على إقامته سنويا منذ أكثر من قرن، وتاريخه آخر يوم في موسم المرفع المسيحي، وساعات قبل بدء الصوم الكبير الممتد حتى أعياد الفصح في نيسان المقبل.

والمسيحيون يحيون المرفع في انحاء العالم كل على طريقته، أسبوع قبل بدء الصوم، يصنع مسيحيو الشرق، منهم مسيحيو لبنان، المآكل الدسمة، من لحومات وأسماك، وكل ما يتعلق بالمشتقات الحيوانية من بيض والبان، والحلويات الطيبة، خصوصا كعكة المرقد والمعمول. وإقامة المآدب تطغى عليها المشروبات الروحية، في مقدمها العرق البلدي المحلي الصنع، تراث الأجداد.

 بعض أشكال المرفع الشهيرة في العالم الكرنفال البرازيلي. ويأتي تاريخه وفق التقويم الغربي، لأن البرازيل تتبع التقليد الكاثوليكي. الكرنفال البرازيلي انتهى الاسبوع المنصرم مع بداية الصوم عند الكاثوليك، والطوائف المنتمية للبابوية في روما.

 الشرقيون يختمون مرفعهم اليوم الأحد، والميناويون ابتدعوا "الزامبو" ختاما لمرفعهم. والفكرة أتى بها مهاجرون عادوا من مهاجرهم أوائل القرن المنصرم. ومخرجو الفكرة ومطوروها، مزجوا فيها، من جهة، بين التقاليد القبلية الأفريقية، وسكان أميركا الأصليين، بحمل الرماح، والسيوف، وطلاء الجسد بالألوان، واعتمار حجابات أو أوجه مستعارة على شاكلة قرون الجواميس، أو الحيوانات المتوفرة في غاباتهم. كذلك تعتمد صيحات شبيهة بصيحات تلك القبائل في زامبو "المينا"، تتركز أساسا على عبارة: “زامبو... زامبو"، مع علم مطلقيها أنها لا تعبر إلا عن تقليد الصيحات القبلية الأفريقية والأميركية، وهي بلا معنى محدد، وفق سيمون جرجورة، أحد منظمي "الزامبو”، في كلام لـ"النهار”.

من جهة اخرى، يعتمد المشتركون في "الزامبو" على تقليد الكرنفال البرازيلي باستخدام ثياب مزينة، واعتماد رقصات مختلفة، وتغطية الأجساد العارية بالطلاء أو بالثياب المزركشة، فاقعة الألوان.

منذ مائة عام، يوم وفدت الفكرة إلى الميناء، لم تكن التلفزيونات متوفرة، ولا وسائل التواصل الاجتماعي منتشرة. فاستلهم مؤسسو الفكرة مشاهدهم من معاينات عينية، أو عبر السينما التي تناولت حياة الأفريقيين، وكذلك حياة شعوب أميركا الأصليين المعروفين بـ"الهنود الحمر"، والذين تنتسب إليهم قبائل الغابات البرازيلية.

 يبدأ "الزامبو" صباحا في أحد أحياء الميناء القديمة الضيقة. ويحضر المشاركون الملابس والأشكال الخاصة بـ"الزامبو". وبعد ساعات، تنتهي الاستعدادات، لتنطلق المسيرة بالمئات، مع قرع الطبول، وإطلاق الزمامير، والأغاني المختلفة، يشارك فيها الرجال، والنساء، والشباب، بينما يمتطي الأطفال أكتاف أهاليهم، ويجوبون الشوارع القديمة، ويتوقفون عند ساحات للراحة، أو لانضمام المزيد من الراغبين في المشاركة.

في الميناء، حيث اختلاط سكاني مسيحي-إسلامي متداخل، يتشارك الجميع في "الزامبو"، كما في كل المناسبات، بافراحها وأتراحها، لتنتهي المسيرة بالخروج من الأحياء الداخلية، وصولا إلى البحر. هناك يلقون بأنفسهم في المياه، ويتلقون حمامات من المياه المالحة، ويتنظفون من الأدهنة التي طلوا أجسادهم بها، ولا يتوانون عن الغطس مهما كانت حالة الطقس وبرودة الجو. فالمرفع، و"الزامبو"، موسم شتوي أساسا.

وفي عمليات الغطس، مشهدية أخرى، حيث يتفنن الشبان المعتادون على المياه، واللاعبون بلججها، في الغطس. فيلقون بأنفسهم في حركات بهلوانية: هذا يتشقلب في الهواء، وذلك يرمي بنفسه بطريقة متعاكسة. ولكل مهارته الخاصة. حركات متنوعة وفريدة تعبر عن مهارة سكان الشاطيء بالتعامل مع أمواجه.

بدأ الزامبو يخرج من "ميناويته"، وبدأت تنضم إليه مجموعات شبابية من خارج الميناء، من طرابلس والجوار. اليوم تحديدا، انضمت عشرون فتاة جئن من بيروت للمشاركة في المسيرة، طلبا للفرح الخاص المتسم بالحرية المطلقة، والذي لا يتوفر في مناطق أخرى.

 نحو قرن، مارس الميناويون "الزامبو"، مقتصرا على أهالي أزقتهم. وحافظوا على التقليد سنويا من دون انقطاع. ولم تحل حالات الطقس، ولا الأحداث دون إقامته. منذ سنوات قليلة، بدأ يتخذ طابعا وطنيا، بمشاركة واسعة من بقية المناطق، والفئات اللبنانية المختلفة، متحولا بالتدريج "كرنفالا" خاصا واسع الأنشطة. وأهم تعبير عن ذلك، ظاهرة مشاركة الفتيات العشرين الآتيات من بيروت.

 تنتهي مسيرة الزامبو، ويخرج الجميع من البحر إلى منازلهم من أجل حمام بالمياه النظيفة. ويعيدون التجمع في صالة، حيث انطلق المهرجان. هناك، مدت سفرة كبيرة، غنية بالمآكل والمشارب، يقعدون عليها ندماء المناسبة، منهم من يأخذ قسطا للراحة، منهم من يستمر حتى منتصف الليل، لحظة حلول ساعة الصيام. يتوقف الزامبو، وينتهي المرفع، ويمضي المؤمنون إلى صيامهم الذي يستمر أربعين يوما حتى حلول قيامة السيد المسيح، وفق العقيدة المسيحية.

ويروي بشارة ميسي، وهو من المخضرمين الذين رافقوا حركة الزامبو منذ عقود، أن "أحد المهاجرين حمل البدعة من الخارج، منذ نحو قرن، فاستحسنها أبناء المدينة، ووجدوا فيها تنويعا على تقليدهم المقتصر على عزف الموسيقى، والغناء العادي”. 

ويفيد جرجورة أن "الميناويين اعتادوا إقامة الزامبو مثل هذه الأيام قبل الصيام، وينطلق كرنفال ضيق في الميناء في منطقة صغيرة، ويحتفل به أشخاص من كل الطوائف. لكن الأمور تشهد تطورا بمشاركة أوسع من خارج الميناء. وهو تقليد قديم يعود لأيام جدودنا، ولا نزال نعتمده حتى اليوم".

وأضاف: "المهرجان عمره نحو مائة عام، يبعث البهجة والسرور في المدينة. لذلك يقبل عليه أشخاص من مختلف الأعمار والأجناس. وينمو الكرنفال الصغير "جيل ورا جيل"، ويكبر سنة بعد سنة".  

من جهتها، قالت رامونا التي اتت من بيروت: "كل سنة في هذا الموعد، ببدءالصوم، نأتي قبل يوم إلى الميناء للمشاركة في كرنفال الزامبو. ونأتي من بيروت، ومن مناطق أبعد أيضا، للمشاركة في الجو الحلو والترتيب الجميل، والتنظيم الكامل". 

بدورها، اتت ريتا من بيروت. "سمعنا بمهرجان الزامبو في الميناء، وهي المرة الاولى التي أشارك فيه. الجو جميل جدا، وأنا مسرورة بأجواء الفرح".

إظهار التعليقات

يلفت موقع النهار الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

Digital solutions by WhiteBeard
Digital solutions by WhiteBeard