لماذا اندفعت فرنسا لرفع ملفّ عفرين إلى مجلس الأمن؟

22 كانون الثاني 2018 | 15:59

المصدر: "النهار"

مع إطلاق تركيا عمليّة #غصن_الزيتون ضدّ وحدات حماية الشعب الكرديّة في #عفرين، تحرّكت #فرنسا مباشرة وطالبت بعقد قمّة طارئة لمجلس الأمن من أجل وقف التدهور الأمنيّ في الإقليم و #الغوطة_الشرقيّة و #إدلب. وسيجتمع أعضاء المجلس اليوم لإجراء مشاورات حول الأوضاع كما غرّد وزير الخارجيّة الفرنسيّ جان إيف لودريان الذي شدّد على ضرورة التوصّل إلى وقف لإطلاق النار في كلّ مكان والسماح للمساعدات الإنسانيّة بالوصول إلى المناطق التي تعاني من الحصار والقصف. 

لكنّ وزير الخارجيّة التركيّ محمّد جاويش أوغلو حذّر فرنسا وغيرها من الإقدام على خطوة كهذه، إذ إنّ الأمر سيُعتبر بمثابة اصطفاف هذه الدول إلى جانب مجموعة إرهابيّة وسيتمّ التعاطي معها على هذا الأساس بحسب الوزير نفسه. وأضاف أنّه "في مثل هذه الأوضاع، لا ننتظر من فرنسا إلّا الدعم"، وأنّ تركيا لا تريد لفرنسا "أن تكون في صفّ تنظيم إرهابيّ". وذكّر أوغلو الفرنسيّين بأنّهم كانوا قد طالبوا من الولايات المتّحدة تسليم مدينة #الرقّة بعد تحريرها إلى سكّانها لا إلى "حزب الاتحاد الديموقراطي الكردستانيّ".

بوّابة

تبقى سوريا تبقى بشكل عام البوّابة الأساسيّة التي تسعى فرنسا من خلالها للعودة إلى الشرق الأوسط، بعد تضاؤل حجم نفوذها خلال السنوات الأخيرة في هذه المنطقة. لذلك، ليس من قبيل الصدفة أن يطالب الفرنسيّون بمناقشة الوضع السوريّ العام في مجلس الأمن لا الاكتفاء بالتطرّق إلى وضع عفرين فقط. وتطلّبت السياسة الجديدة التي دشّنها الرئيس إيمانويل #ماركون التخلّي عن الخطاب الفرنسيّ الذي ساند المعارضة السوريّة في عهد الرئيس السابق فرانسوا هولاند والذي أصرّ على رحيل الأسد من الحكم قبل الدخول في العمليّة الانتقاليّة. لذلك، أكّد ماكرون أنّ رحيل الرئيس السوريّ ليس شرطاً للبدء بالمفاوضات بل وصفه بأنّه سلوك "غير فاعل".

حضور ملفّ إعادة الإعمار

يمكن أن تفتح عمليّة "غصن الزيتون" المجال أمام فرنسا لخوض معركة ديبلوماسيّة تعطيها فرصة لبداية مدّ نفوذ لها في سوريا، خصوصاً مع عدم فصلها بين مختلف الملفّات الشائكة التي تحيط بالنزاع السوريّ. وهذا ما أظهره الانتقاد الضمنيّ الذي أطلقه لودريان نفسه تجاه الروس في حديث إلى صحيفة "لو فيغارو" الفرنسيّة. فهم "لا يستطيعون حلّ الأزمة بمفردهم. يجب إعادة إعمار #سوريا يوماً ما ووسائلهم لن تكفي لتحقيق ذلك". استخدام ورقة تمويل عمليّة إعادة الإعمار بعد نهاية الحرب السوريّة يعطي فكرة واضحة عن نيّة فرنسا في لعب هذه الورقة. لكن في الوقت عينه، إنّ كلام لودريان عن أنّ الأوروبّيّين لن يشاركوا "في إرساء الاستقرار وإعادة الإعمار سوى في المناطق التي يسودها حكم مقبول على صعيد الحقوق الأساسيّة" قد يكون انتقاداً لتوافق محتمل يمكن أن تكون #روسيا و #تركيا قد توصّلتا إليه حول العمليّة في عفرين.

من هم أصحاب "الحكم المقبول"؟

ف "المناطق التي يسودها حكم مقبول على صعيد الحقوق الأساسيّة" هي إشارة إلى المناطق التي يسيطر عليها الأكراد كما لفتت النظر إلى ذلك "وكالة الصحافة الفرنسيّة". في هذا السياق، لطالما افتخر الأكراد بأنظمة الحكم التي يقيمونها داخل المناطق التي يحكمونها. فالناشطون من بينهم على مواقع التواصل الاجتماعيّ يشدّدون مثلاً على أنّ المجلس التنفيذيّ الخاص بعفرين وهو المجلس الأعلى في الإقليم تترأّسه امرأة، هيفي ابرهيم مصطفى. كما شدّدوا على دور المرأة في الحياة السياسيّة والإداريّة داخل الإقليم، إذ إنّ اللجان المحلّيّة تتضمّن رئاسات مشتركة بين الرجال والنساء. كذلك، يشيدون بالنظام الديموقراطي الذي يجدّد مؤسّسات الحكم داخل أقاليمهم، كما حدث في المرحلتين الأخيرتين من الانتخابات المحلّيّة والإقليميّة في أيلول وكانون الأوّل الماضيين داخل "روج آفا" السوريّة التي تضمّ المناطق ذات الغالبيّة الكرديّة.

الأولويّة نفسها

قد لا تكون طريقة حكم الأكراد لأنفسهم الدافع الوحيد لمحاولة إيقاف العمليّات العسكريّة التركيّة ضدّ عفرين. تتبنّى باريس الخطاب السياسيّ نفسه لواشنطن إزاء محوريّة المعركة على الإرهاب، بعدما تعرّضت فرنسا لعدد من الاعتداءات الإرهابيّة داخل أراضيها. منذ أربعة أيّام، دعت الناطقة باسم وزارة الخارجيّة الأميركيّة هيذر نويرت الأتراك "إلى عدم الإقدام على أيّ أفعال من هذا النوع (مهاجمة عفرين)" مضيفة: "نريدهم أن يواصلوا التركيز على تنظيم داعش". وزيرة الدفاع الفرنسيّة فلورانس بارلي دعت في حديث إلى القناة الفرنسيّة الثالثة تركيا إلى وقف العمليّات العسكريّة ضدّ الأكراد لأنّ "المعركة هذه قد تحوّل القوّات المقاتلة الكرديّة ... عن الحرب الأساسيّة (ضدّ داعش)". وتستعجل فرنسا إنهاء معركتها ضدّ التنظيم الإرهابيّ بعد إعلان ماكرون أواخر العام الماضي أنّ داعش سينتهي بحدود شهر شباط المقبل

أبواب "موصدة"

في الخامس من الشهر الحاليّ، توجّه أردوغان في زيارة رسميّة إلى باريس للقاء نظيره الفرنسيّ. كان لافتاً كيف أنّ ماكرون عرض أمام ضيفه أن تكون تركيا في "شراكة" مع الاتحاد الأوروبي بدلاً من الحديث عن "الانضمام" إليه: "يجب أن ننظر في ما إذا كان بالإمكان إعادة التفكير في هذه العلاقة، ليس في إطار عمليّة انضمام بل ربّما في إطار تعاون وشراكة مع هدف ... الحفاظ على ارتباط تركيا والشعب التركيّ بأوروبّا". وأكّد ماكرون أيضاً "ضرورة أن نخرج من نفاق يتضمّن الاعتقاد بأنّ تقدّماً طبيعيّاً لفتح فصول جديدة (في المفاوضات) هو أمر ممكن"، داعياً أردوغان إلى "احترام دولة القانون". بعبارة أخرى، كان هذا اللقاء مؤشّراً إلى أنّ "الاتحاد الأوروبي يغلق أبوابه أمام تركيا مع بداية العام 2018" بحسب ما كتب الصحافيّ التركيّ جنكيز جاندار في موقع "ألمونيتور". وكان ماكرون ربّما أوّل من أعلن إيصاد هذه الأبواب بوجه #أنقرة، تماماً كما كان لودريان أوّل من أعلن رفع مسألة عفرين إلى مجلس الأمن. صحيح أنّ كلّ ما سبق لا يعني قطيعة بين فرنسا وتركيا لكنّه يفسّر جزءاً من التحرّك الفرنسيّ السريع في المطالبة بوقف العمليّات العسكريّة خصوصاً إذا ما قورن مع تصريحات دول غربيّة أخرى تملك الموقف نفسه إنّما باندفاع أقلّ وعلى رأسها الولايات المتّحدة.


إظهار التعليقات

يلفت موقع النهار الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

Digital solutions by WhiteBeard
Digital solutions by WhiteBeard