نوّاب بريطانيّون يتحرّكون ضدّ الحرس الثوريّ... أفق مسدود؟

12 كانون الثاني 2018 | 20:14

المصدر: "النهار"

  • جورج عيسى
  • المصدر: "النهار"

سلكت القارة العجوز خطّاً متمايزاً عن الولايات المتحدة في النظرة إلى الملفّ الإيرانيّ بمستوياته السياسيّة والاقتصاديّة والعسكريّة بعد دخول دونالد #ترامب إلى البيت الأبيض. وكان الأوروبيون على العموم مستعجلين إلى إعادة تطبيع العلاقات مع الإيرانيّين عقب التوقيع على الاتفاق النووي الذي سمح لهم نظريّاً بقطف الثمار المتوقّعة من العقود التجاريّة والنفطيّة مع #طهران. لكنّ فوز ترامب الذي كان واضحاً في سياساته العدائيّة ضدّ الإيرانيّين منذ كان مرشّحاً لم يشكّل مفاجأة سارّة لهم.

يناضل الأوروبيون اليوم لمواجهة الضغوط المتصاعدة من #واشنطن لإلغاء الاتفاق النووي أو لإيجاد بديل عنه، بحسب ما طالبت به الإدارة الأميركيّة مع إعلان رئيسها استراتيجيّته الإيرانيّة الجديدة في تشرين الأوّل الماضي. ومع انطلاق المظاهرات في الشوارع الإيرانيّة، ازدادت الضغوط بعد إعلان البيت الأبيض وقوفه إلى جانب المحتجّين بينما تلكّأت أوروبا عن ذلك، في موقف قد يحرجها إذا حاول ترامب المزايدة عليها بمسألة حقوق الإنسان.

"يجب على إيران أن تحترم جيرانها"

في الأيّام الماضية كان الصوت البريطاني واضحاً إزاء السياسات الإقليميّة التي تتّبعها #إيران. بريطانيا التي باتت على مشارف الخروج من الاتحاد الأوروبّي بعد تصويتها على البركزيت سنة 2016، تحتفظ بالرأي الأوروبي نفسه تجاه الملفّ النوويّ من حيث ضرورة حمايته طالما أنّ إيران ملتزمة به حاليّاً. لكن عند مسألة التوسّع الإيرانيّ في الشرق الأوسط، أظهرت بريطانيا مؤشّرات داخليّة إلى تحرّك قد يكون أعلى من "السقف" الأوروبّي.

بعد اجتماع الترويكا الوزاريّة الأوروبية (ألمانيا، فرنسا، بريطانيا) مع ظريف قال وزير الخارجيّة البريطاني بوريس جونسون أنّه "يجب على إيران أن تحترم جيرانها". وعشيّة بتّ الرئيس الأميركي بمسألة إعادة فرض عقوبات نفطيّة على طهران، ناشد وزراء خارجيّة الدول الثلاث إضافة إلى منسّقة السياسة الخارجيّة في الاتحاد الأوروبي فيدريكا موغيريني الولايات المتّحدة كي تحمي الاتفاق النووي. كما تحدّثت أيضاً عن حق طهران بالاستفادة من رفع العقوبات التي نصّ عليها الاتفاق. قد لا يكون تصريح جونسون معدّلاً في الموقف الأوروبّي أو حتى نافراً بالنسبة للسلطات الإيرانيّة، خصوصاً أنّه عاد وشدّد على أن لا بديل حقيقياً عن الاتفاق النووي. لكنّ حركة في مجلس العموم البريطاني إزاء المظاهرات البريطانيّة لفتت أنظار المراقبين في الفترة الأخيرة.



"إجراءات عقابيّة ضدّ مسؤولي" الحرس الثوري

طالب سياسيّون بريطانيّون وزيرة الداخليّة أمبر رود بوضع الحرس الثوري على لائحة مراقبة المنظمات الإرهابيّة بعد قمع المظاهرات الإيرانيّة واتخاذ "إجراءات عقابيّة ضدّ مسؤوليه". فحتى التاسع من الشهر الحاليّ، أيّد عشرات النوّاب البريطانيّين هذه الخطوة التي يمكن أن تفرض عقوبات على الحرس الثوريّ، ضمن ورقة قد تُعرض للنقاش في مجلس العموم. وبحسب صحيفة "ذا دايلي تلغراف" البريطانيّة، توزّع المؤيّدون على حزبي المحافظين والعمّال إضافة إلى أحزاب أخرى. النائب بوب بلاكمان الذي كان أوّل من أعدّ الاقتراح منذ ثلاثة أشهر، وصف المتظاهرين ب "الشجعان". ومنذ أواخر تشرين الأوّل الماضي، وبعدما تحرّك الحرس الثوري ضدّ مظاهرات متفرّقة كانت قد اندلعت في تلك الفترة أي قبل انطلاق الاحتجاجات العامّة في 28 كانون الأوّل الماضي، انضمّ عدد من الموقّعين إلى المقترح حتى وصل العدد إلى سبعين نائباً.

ما هي طبيعة هذا المقترح؟

غالباً ما تكون هذه المقترحات والمعروفة باسم Early day motion هي محاولات من بعض النوّاب لتسليط الضوء على قضيّة يريدون إبرازها ومناقشتها أمام الرأي العام، أي أنّها تكون ذات طابع إعلاميّ. وحتى في هذا الإطار، تبقى المواضيع الموقّع عليها والتي تصل إلى مرحلة النقاش داخل مجلس العموم قليلة جدّاً. يشكّل المقترح المقدّم من الناحية الشكليّة خطوة للدفع باتّجاه ممارسة مزيد من الضغوط على إيران. لكنّ المسار الأخير للعلاقات البريطانيّة الإيرانيّة في السنوات الأخيرة لا يعطي انطباعاً بأنّ تحرّكاً بريطانيّاً ضدّ #إيران وضدّ الحرس الثوري بالتحديد هو أمر متوقّع. في العام 2011، قام محتجّون إيرانيّون باقتحام السفارة البريطانيّة في طهران وحرق بعض مستنداتها ردّاً على عقوبات فرضتها لندن عليها بسبب برنامجها النووي. ومع ذلك، سارعت #بريطانيا إلى إعادة افتتاح سفارتها هناك في آب من العام 2015 أي بعد شهر واحد من التوقيع على الاتفاق النوويّ.

أكثر من حاجة متبادلة

تحتاج إيران لبريطانيا كما لسائر الدول الأوروبّيّة لخلق نوع من التوازن مع الأميركيّين تفادياً لضرب الاتفاق وإعادة فرض العقوبات عليها. بينما تحتاج لندن إلى طهران حيث الأسواق الاستثماريّة وخصوصاً في مجال النفط واعدة جدّاً. لكن هنالك قضايا عالقة مهمّة تريد "10 داوننغ ستريت" حلّها ممّا يجعل احتمال التصعيد البريطانيّ إزاء إيران ضئيلاً جدّاً. منذ شهر، زار جونسون عدداً من المسؤولين في طهران وفي مقدّمتهم الرئيس الإيرانيّ حسن #روحاني، مجرياً مباحثات حول قضيّة اعتقال السلطات للمواطنة البريطانيّة الإيرانيّة الأصل نازانين زاغري راتكليف المتهمة بالمشاركة في ثورة 2009. حينها، أبدى المقرّبون من راتكليف تفاؤلاً بإمكانيّة إطلاق سراحها قبل الميلاد. ومع أنّ هذا الأمر لم يحدث لغاية الآن، يُتوقع أن تستمرّ مساعي الحكومة البريطانيّة في هذا الاتّجاه.

للتأكيد على سياسة مستقلّة

الباحثة في السياسة العليا لبرنامج الشرق الأوسط وشمال أفريقيا في "المجلس الأوروبّي للعلاقات الخارجيّة" إيلّي جيرانمايه طالبت الأوروبّيّين بتبنّي سياسة خارجيّة خاصّة بهم مستقلّة عن تلك التي تتّبعها واشنطن. وكتبت في صحيفة "الموند"، مشدّدة على السير بالاتفاق لكن أيضاً على ضرورة اعتماد بروكسل إجراءات "يمكن أن تساعد عوضاً عن تؤذي مسار الإصلاحات الديموقراطيّة التي يدافع عنها الإيرانيّون داخل الدولة". كما طالبت بضرورة استغلال القنوات الديبلوماسيّة الموجودة حاليّاً للانخراط مباشرة مع روحاني وإبلاغه أنّ الردّ القاسي على المظاهرات قد يضرّ بالعلاقات الاقتصادية والسياسية الإيرانيّة مع أوروبا.

هل تخرج بريطانيا عمّا يبدو إجماعاً أوروبيّاً حول السياسة "المتوازنة" مع إيران؟ مع أنّ الإجابة نافية على الأرجح بسبب المصالح المتبادلة بين البريطانيّين والإيرانيّين، تبقى الأيّام المقبلة وحدها الكفيلة بإعطاء صورة أكثر حسماً.


إظهار التعليقات

يلفت موقع النهار الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

Digital solutions by WhiteBeard
Digital solutions by WhiteBeard