أمنية معكوسة... "شبّيك لبّيك خادم المصباح بين يديك"

31 كانون الأول 2017 | 14:11

خادم المصباح.

مر في جنح الليل يبحث عن فرصة يغنمها من دون رفاق الليل. لفت نظرَه في زقاقٍ نافذةٌ مواربة في بيت زادَه الزقاق ظلمة إلى ظلمته. همس في نفسه "تلك فرصتك!" ثم التفت يمينا، لا أحد، وشِمالا، لا أحد، وإذ لم يرَ أحداً حسِب أن لم يرهُ أحد فقفز بخفة رغم بنيته القوية الظالمة كأنه قطّ ضخم رشيق. حين حطّ اكتشف أنه مَرَّ من زقاق ضيق مظلم إلى زقاق داخلي أضيق وأظلم. استغرب ثم استبشر. يبدو أن الأمر همسة دسمة ومستودع للبضائع.

تلمس الجدران القريبة فإذا هي أكوامُ علبٍ مصفوفةٍ بإحكام عن يمين وشمال، بينها ممر ضيق كأن الساكن هناك بقالٌ نحيفٌ رغم الوفرة. لم يستطع أن يتقدم عرْضا، بل على جنبه وبالكاد، ثم إنه الآن تحسر أن أتى من دون الرفاق. الاتحاد قوة؛ على حقٍّ كان أو على باطل، وأولُ الباطلِ الفقر. حاول قراءة حروفٍ فوق العلب، لكن الظلام حال بينه وبين فك رموزها. أخرج بطارية جيبٍ صغيرةً، وضع أصابعه على زجاجها، أوقدها وصوَّبَ ما رشح من شعاعها بين أصابعه وتهجَّى "هنريس" ثم صوَّب نحو الثانية والثالثة والعاشرة. كل العلب أجمعت على "هنريس". أتم السير جنبا بينها حتى بلغ الباب، أدار المقبض فإذا بالدفة تنفتح على ممر ضيقٍ، وسرعان ما حصرها جدار عريض من ..علب "هنريس!" القاعة كانت أوسع من الأولى ومليئة بعلب كأنها كانت جميعها تهمس "هنريس.. هنريس.. هنريس"

فرصة خاثرة!

عبَر ثلاثَ حُجرات على المنوال عينه. ممر ضيق بين فِرْقين من عُلبِ البسكتة. لا بد أنه يمقتها الآن. أولا لحجمها العصي على غنيمة ليلية كان يحبذ أن تكون ثمينة خفيفة غير فاضحة، هاتفا أو خاتما. ثم لأنه في طفولته لم يشبع من "هنريس" قط وكانت هي البسكتة المثلى يومَها، ولما كبُر صار كلما أكلها كهربت حلاوتُها الزائدة أعصاب أسنانٍ عراها السُّوس.

ثم بدا له في نهاية نفق هنريس شعاعٌ أبيض خافت فقصده على جنبه وفي بعض الأحيان مطأطئا رأسَه إذ تكونُ العلبُ سقفًا قريبًا. بلغ مصدر النور. غرفةُ نوم عن شمالها جدار هنريس، وعن اليمين سرير تمددت عليه عجوز مُفَتَّحةَ العينين مثل نوم العرائس. حين دخل رفعت رأسها في وهَن شديد وقالت في غير خوف ولا وجل: "من هناك؟" كأن أسوأ ما في الحياة قد خلفته وراء ظهرها. مكثت برهة تنظر إليه ولا تبصر. تجمد مكانَه بينما هي تكرر السؤال عينه وتنظر في غير اتجاه. فهم أنها كفيفة، فلم ينبس بكلمة، وحين طال الصمت عادت للامبالاتها مطمئنة. لا عدو هناك حقاً.

لفته على مائدة نومِها مصباح كمصباح علاء الدين السحري. هناك تيقن أنّ فرصته الآن فقط قد بدأت فعلا وأن علب البسكتة محض مُقبِّلات. لا بد أن غرابة المكان من غرابة المصباح. تقدم بحذر شديد، تناوله بين يديه، وما إن مسح عليه حتى انبعث العفريت من القمقم صارخا صراخا شديدا مبالغا غير طبيعي إن كان للعفاريت طبيعة:

- شبيك لبيك.. خادم المصباح بين يديك..

رغم أنّ صوت العفريت قد صك أذنه وأسنانه، فقد كان فرحا ومنشرحا.. قضاءُ الحوائج سيشفع للحضور الثقيل وللعويل، وببسمة عريضة كالآمال العِرَاض، طفق يسألُ حاجاتِه كلها، بينما العفريت لا يفتأ يصرخ مستفهما هو الآخر:

- ها.. أعِد يا مولاي ما قُلت.. ها .. أعِد يا مولاي ما قلت.. ها.. أعد يا مولاي..

وكان المسكين من فرط فرحه يعيد ويعيد متمنياتِه وطلباتِه المُرجَأة منذ الصبا، حتى نطقت العجوز الضريرة قائلة:

- يا ولدي.. لا تتعب نفسك.. إنه عفريت أبله وثقيل السمع.. منذ ستينَ سنة وأنا أسأله أن يأتيني بعَرِيس وهو يأتيني كل يوم بعلبة "هنريس".

ربيع كيروز عشرون عاما من الشغف، وتستمر الحكاية


عشرون عاماً مرّت وكأنها شريط سينمائي بالأبيض والأسود يروي حكاية شغف بالفن، ويترجم عشقاً بالمرأة ويروي حكاية بلد صغير، انتج عملاقاً في مجال الإبداع والخيال الذي لا يعرف حدوداّ. لقد انضم المصمم العالمي ربيع كيروز  رسمياً الى حلقة المبدعين في الهوت كوتير والتي لا تحوي إلا اسماء قليلة من التي تغص وتضجّ بها الساحة المحلية والعالمية وتأخذ حجماً في وسائل الإعلام لدينا  أكثر مما ينبغي. التقينا بالمصمم ربيع كيروز في دارته الجديدة في الجميزة، وللمناسبة قام المصمم المبدع بتغيير اللوغو مركزاً على حرف R اي الراء بالأجنبية ليترجم العودة واستعادة الماضي وأيقوناته بروح متجدّدة فمن ليس له ماضٍ، لا حاضر له!  وفي هذه المناسبة عبر المصمم في حوار خاص أعددناه احتفالاً بمرور عشرين عاماً على الدار في لبنان عن مدى سروره بمسيرته كمصمم انطلق من لبنان الى العالمية، فقال: "منذ عشرين عاماً بدأنا، ومنذ عشر سنوات حقّقنا حلم افتتاح مقرّ لنا في باريس، ;كنّا ثلاثة أشخاص عندما زرنا لأول مرة المقر الذي سنفتتح فيه في باريس، واليوم بتنا ثلاثين شخصاً هناك، واليوم غدا هذا الحلم حقيقة بفضل فريق العمل والصحافيين الذين آمنوا بي، فلهم أقول شكرا".نجدها من مربع ومستطيل، فاللغة باتت عالمية والأشكال الهندسية لطالما الهمت هذا 

يستعيد ربيع كيروز مخزون عشرين عاماً ويقول:" أدين بجمال البدايات الى أول عروس قصدتني، لأنها وثقت في من دون أن ترى تصاميمي وكانت بداية المغامرة... لا زلت أذكر الخوف الذي كان ينتابني عندما أُظهر أول رسم للفستان للعروس، وأول رجفة قلب عندما أعتلي الخشبة...وهو أمر جيد لأن إحساس المرة الأولى الذي يرافقنا يدفعنا الى الأمام، فهذا القلق الدائم هو الحافز للتقدّم...

آخر مجموعة لي أسميتها "الحمد الله" وأنا ممتن لكلّ من عملي معي... لتلك الأيادي الصغيرة التي ترجمت أفكاري وممتن للأربعين فرداً من عائلتي الذين رافقوني في مشواري... وأنا ممتن لرئيسة تحرير فوغ الفرنسية سوزي منكيس لأنها قارنتني بمهندس الديكور، وأنا أعتبر أنّ الفستان هيكل جميل لا يحتاج الى زخرفة... العمل في لبنان مغامرة جميلة فنحن محاطون بأناس طيبين وكان يمكنني البقاء في باريس ولكن ثمة مغناطيساً يشدّني الى لبنان ولا أندم أبداً على البقاء فيه فلبنان بلد يربّي لنا أجنحة ويرفعنا الى العالمية...

في العام 2009 استقبلتني نقابة الأزياء في باريس وبعد عشر سنوات بتّ عضواً دائماً في قريق من المصممين الراقيين المحصورة بٍ 17 مصمماً فقط. مصدر إيحائي من روحي الشرقية ومن شمس بيروت وأنفذ تطريز الخيط في لبنان وكل الطلبات التي تردني من البلدان العربية... لا تتصورون فرحتي بأن عائلة ربيع كيروز باتت تحت سقف واحد وأتأثر عندما تقولون لي بأنني قدوة ومنذ عشر سنوات أسست مع تالا حجار مؤسسة ستارتش لدعم المواهب الجديدة وأطمح الى العمل على تطوير ودعم الحرفيين فنحن لا أتصور نفسي اصمم في ساحة لوحدي، فبرأيي ما في واحد يلعب وحدو بالساحة، بيزهق!".


إظهار التعليقات

يلفت موقع النهار الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

Digital solutions by WhiteBeard
Digital solutions by WhiteBeard