مدينة "روابي": حلم فلسطيني يحاكي الاستيطان الإسرائيلي ويقاومه؟

2 تشرين الأول 2013 | 14:07

المصدر: "النهار"

كلمة "روابي" الموحية بالهدوء والطمأنينة في كنف الطبيعة، في حال استعمالها مستقلةً منفردةً من دون إضافة ولا صفة، تستعملها شركة "بيتي للاستثمار العقاري" المتعددة الجنسية، على نحو مزدوج: إسم لإنشاء "أول مدينة فلسطينية مخططة" وحديثة في الضفة الغربية، واسم لموقع على الأنترنت يقدّم معلومات عن المشروع العمراني.

زائر الموقع على الشبكة الالكترونية يطالعه شريط فيديو دعائي تسويقي للمدينة التي شرعت شركة "بيتي" في إنشائها. تعود فكرة المشروع إلى العام 2008، حينما عُقد "مؤتمر الاستثمار الفلسطيني". وفي دراسة نشرتها المعمارية الفلسطينية لين جبري في "مجلة الدراسات الفلسطينية" (العدد 9، ربيع 2012)، يرد ان السلطة الفلسطينية عملت منذ العام 2011 "على تشجيع مشروعات في الضفة الغربية ودعمها على طريق بناء دولة – أمة فلسطينية، بينها مشروع مدينة روابي" الذي تموّله الحكومة القطرية، ويقوم "على رابية بين مدينتي رام الله ونابلس". رئيس شركة "بيتي"، منفذة المشروع، بشار المصري، يعتبر أن "الحياة" في "روابي" ستكون "مشابهة للحياة في الولايات المتحدة" الأميركية، مشيراً إلى ضرورة "أن يُنظَر إلى المشروع كجزء من بناء الدولة الفلسطينية".
لا يزال المشروع قيد الإنشاء. في الشريط الدعائي على موقع "روابي" الإلكتروني، يجري التسويق له بوصفه يلبّي "متطلبات الطبقة الوسطى (الفلسطينية) التي تتطلع إلى سكن تقدر على شرائه: كلفة الوحدة السكنية ما بين 65 ألف دولار ومئة ألف ".
الإقامة في "روابي" تروق لفئة من "القوة العاملة الفلسطينية العاطلة عن العمل، لكن المتعلمة"، أي الجديدة أو الحديثة، من أصحاب المهن الحرة. يستوعب المشروع 40 ألف ساكن، ويوفر نحو 5 آلاف فرصة عمل ثابتة. تلقى موقع "روابي" الالكتروني "ما يزيد على 7 آلاف طلب لشراء شقة سكنية" في المشروع الذي يصوّره شريط الفيديو التسويقي على أنه "مدينة أحلام" الطبقة الوسطى الفلسطينية: "اسر سعيدة"، على ما يرد في العبارات المرافقة لمشاهد الشريط، فيتخيل المُشاهِدُ - حسبما تلاحظ لين جبري في الدراسة المشار اليها اعلاه – عائلات "ليس لدى الواحدة منها أكثر من طفلين، واشخاصاً يستمتعون بوقتهم في مقهى، أو يتمشون في بقعة خضراء خالية من السيارات". من الكلمات والعبارات الواردة في الشريط أيضاً لوصف نمط العيش في "روابي": "حديث"، "نابض بالحياة"، "صديق للبيئة"، "مدارس عصرية"، "مرافق صحية"، "مصارف"، وصولاً إلى "تحديث المشهد الطبيعي الفلسطيني". في وصف الشقق السكنية من الداخل، يرد أنها "تحترم الحاجات الثقافية والتي يولّدها"، "الإضاءة طبيعية والتهوئة ملائمة في جميع الغرف".
هذا التوسع في عرض مواصفات المشروع الدعائية، غايته هنا إظهار نمط جديد ولغة جديدة واستراتيجيات جديدة في التعبير عن "الأحلام الفلسطينية" التي كانت تنصبّ وتنحصر في إيديولوجيا "المقاومة والتحرير". للمرة الأولى يُخاطب الفلسطيني، صورياً ودعائياً على الأقل، بوصفه إنساناً عادياً يحتاج إلى سكن لائق تتوافر فيه مرافق الخدمات البيئية والطبية والتعليمية والترفيهية. وإذا كان مشروع "روابي" يتناسى الاحتلال والاستيطان الإسرائيليين اللذين لا يزالان يحوّلان حياة الفلسطينيين جحيماً، ويقوّضان مسار "اتفاق أوسلو" القائم على "مشروع الدولتين"- الحلم البعيد المنال، إن لم تجعله السياسة الاسرائيلية الإستيطانية الإستعمارية مستحيل التحقق، أفلا يحق للفلسطيني أن يحلم أو يتخيل نفسه كائناً بشرياً عادياً، أي مدنياً؟!
لين جبري في دراستها التفصيلية القيِّمة للمشررع، تنحو الى اعتبار "روابي" نمطاً فلسطينياً "يحاكي المستعمرات الاسرائيلية في الضفة الغربية"، والمتكاثرة كالفطر منذ العام 1967، للسيطرة على الأراضي الفلسطينية وتحويلها معازل منفصلة يبلغ عددها نحو 200 معزل. وجه المحاكاة هذه، يظهر في تساؤل جبري الآتي: أليست "روابي" صورة معكوسة للمستعمرة الاسرائيلية "عطريت" القائمة على الرابية المقابلة؟ الصورة المعكوسة هذه تنطوي على مقاومة رمزية للاستعمار الاستيطاني الاسرائيلي: رفض زبائن "روابي" أن تعلو مباني مشروعهم "الاستيطاني" الفلسطيني الجديد والمحدث، سقوف من القرميد شبيهة بسقوف مباني المستعمرات الاسرائيلية. وحين تبرع "الصندوق القومي اليهودي" بـ 3 آلاف شجرة لمدينة "روابي"، تعرضت شركة "بيتي" منشئة المشروع الفلسطيني لحملة حادة من الانتقادات، لأنها قبلت التبرع، فاقتلعت الأشجار التي تبرع بها "الصندوق اليهودي"، وغرست مكانها مزيداً من أشجار الزيتون البلدي.
هذا يعني أن فكرة المحاكاة تنطوي على فكرة المقاومة، وإن كانت رمزية وتحاكي مقاومة التطبيع الثقافي. وذلك لتوكيد "البقاء على قيد الحياة، والحضور إزاء الآخر"، على ما تكتب جبري متسائلة إن كانت "روابي مدينة مقاومة؟"، ملاحِظةً أنها تبرز شيئاً من "الفخار الوطني" الفلسطيني الذي يعبّر عنه رفع الأعلام الفلسطينية على سياجات المشروع، في مقابل مستعمرة "عطريت" الإسرائيلية، لتوحي الأعلام الفلسطينية بأن المشروع يستعيد الرابية ويؤكد الحضور الفلسطيني عليها.
المقاومة الرمزية هذه، لا تلغي كون "روابي" جزيرة وسط أرخبيل المناطق التي تفرض عليها اسرائيل سيطرتها العسكرية. لكن جبري تغالي مغالاة نظرية "يسارية" حادة في استنتاجها الاخير: تبذل السلطة الفلسطينية الجهد في بناء جزيرة تسيطر عليها إسرائيل عسكرياً. والسلطة في هذا تحولت عن خطاب "الكفاح المسلح لتحرير فلسطين" لصالح "علاقات تبادل استعمارية تعزز سلطتها وتضمن امتيازات البورجوازية الوطنية والمستثمرين الدوليين"، في إنشاء "مدينة نيوليبيرالية".
هنا لا بد من ملاحظة هذا الهرب من الواقع المرير والتاريخ الأمرّ، لصالح التعلق بالكلمات والشعارات في استنتاج لين جبري هذا الذي يتناسى مآسي الكفاح المسلح الفلسطيني في بعثه حربين أهليتين في الأردن ولبنان، من دون أن يفضي ذلك الكفاح إلا إلى "سلام أوسلو" الموقوف إسرائيلياً، بالرغم من محاولة السلطة الفلسطينية بعث الكفاح المسلح في "انتفاضة الأقصى" التي مهدت الطريق لإحتلال ما حررته اتفاقات أوسلو، وقوّضت إرادة السلام لدى فئات واسعة في المجتمع الاسرائيلي. أما مقاومة "حماس" المدمرة في غزة، فلم تتخل عن أحضان جزار سوريا الدموي، إلا لترتمي في أحضان "الإخوان المسلمين" في مصر، قبل "مأساة" إقتلاعهم من السلطة، لتحلم، ربما، بعودتها إلى الأحضان الإيرانية التي تستمر دولتها الاسلامية في استعمال "حماس" و"حزب الله" بيدقين في مشاريعها الاستعمارية الإقليمية، باسم مقاومة اسرائيل وأميركا.

Mouhamad.abisamra@annahar.com.lb

إظهار التعليقات

يلفت موقع النهار الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

Digital solutions by WhiteBeard
Digital solutions by WhiteBeard