فيروز... قديسة الفن الجميل!

24 تشرين الثاني 2017 | 12:34

ترددت كثيراً قبل كتابة هذا المقال، فوضعت أغنياتك واستسلمت للقلم وقلتُ له جُدْ بالكلام؛ 

في مثل هذا اليوم من سنة 1935، أبصرتِ النورَ طفلةٌ واعدةٌ كأنَّ ريشةَ الخالق أرادت أن ترسمَها بأنغامٍ سماوية! إنها نهاد الحداد الممتلئة من روح الربّ الموهوبة بصوتها الذي أجبرَ الحجر على البكاء في الرثاء، والحجر عينه أن يرقصَ في حفلات الزفاف.

تأهلت هذه القديرة من عاصي الرحباني، هذا الأخير الذي ينبض بالحياة في قبره! واكتشفت أن رسالتَها ودعوتَها في هذه الحياة هي تمجيد الخالق من خلال صوتِها الرنان النابض بالحرية والسيادة والاستقلال.

إنها فيروزُ! وهل يلزمُ الأمر أن أُخبرَ عنها بعد، فمن أنا كي أخبرَ عن عظيمةٍ كفيروز، فكلّ ما يمكنني أن أقولَه هو أنها العمودُ الفقري للوطن، فلبنانُ لا يستيقظُ صباحاً إلا عند سماعه أغنية "طلّت يا محلا نورها" ولا يخلدُ للنوم إلّا على أغنية "نحنا والقمر جيران" وطوبى للقمر الذي غنيتِ له، طوبى للشمس التي تنعّمت بصوتك العذب، طوبى لنا لأنّنا عشنا في زمنٍ عاشت فيه الخالدة فيروز. فأقلّ ما يقالُ هو طوبى لنا ثانية بقديسة الفن الجميل!

غنّتْ للشباب، للأم، للمخاتير، للشمس، للقمر، للميلاد والفصح، للإستقلال ولغيرها من مناسباتٍ لا يمكن أن تمرَّ من دون أن نستهلَّها بأغنيةٍ لها.

فيروز... وما أطهر هذا الاسم نقاوةً، وما أشدَّ حبي لحاملته، أبصدفةٍ وُلدتِ يوم الإستقلال؟ أو إن يصحّ القول، هل أخذَ لبنانُ استقلاله في تاريخ ميلادك عينه عن عبثٍ؟ أنا أقول ملء الثقة، لا وألف لا، لأنّ عظيمة كحضرتكِ أراد الله أن يهنئها لأن عمرها فاق عمر الأرزة، ولأن الأرزةَ نفسها تستمد قوتها منكِ!

فيروزُ يا من تطفئينَ اليوم شمعتك الثانية والثمانين، لو كتبنا لك مقالاتٍ شتى، لن نوصلَ حقك يا من كنت للمظلومين حقاً،

يا مدرسةَ الفنِ ويا عرابة الأغنية اللبنانية، ويا سفيرتها الى العالم "عقبال الألف والاثنين وثمانين" يا من تظهر بهجةُ الميلاد في صوتها، وقداسة الدنح في نظراتها، وجمعة الآلام في حنجرتها وفرح وعشق القيامة في حنجرتها الرنانة!

لن أطيلَ الكلامَ عن تلك المرأة الصامدة كأرزِ لبنانَ، لأنَ قلمي قد جفَّ حبرُه، وعقلي خانني ولم يعد يعطيتي الكلام الوافر، وعندما أسمعك في الصباح والمساء، أعتقل الدمعة في عينيَّ وأردد: ليزِدِ اللهُ بعمركِ يا عمرَ لبنانَ.


إظهار التعليقات

يلفت موقع النهار الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

Digital solutions by WhiteBeard
Digital solutions by WhiteBeard