شهرزاد في متاهة العطور والقبور... الثأر بـ"ألف ليلة وليلة"

17 تشرين الأول 2017 | 17:25

المصدر: "النهار"

متاهات.

لم تتمالك دالية نفسها عن البكاء، وانسابت دمعةٌ أولى على خدِّها حين رأت صورة السيدة "لوريال" على شاشة التلفزيون، تنعى مذيعةُ الأخبار الشقراء أغنى امرأةٍ في #فرنسا، وإحدى ملكات العطور والأصباغ في العالم. كانت دالية تتوقع، ومنذ سنواتٍ، أن تسمع هذا الخبر في أية لحظة، منذ أن لاحظت أنَّ العجوز الأنيقة بدأت تُضيع مداركها العقلية، وصارت تعيش أبعادَ الزمن متداخلةً، فلا تميّز فيها بين ماضٍ وحاضر، ولا بين خيالٍ وحقيقية. كما أنها لم تعد تدرك القيمة الفعلية، ولا الافتراضية، للملايين التي تملكها عبر بنوك العالم وشركاتها المتشابكة. وقد ظلت، رغم تقدم سنِّها، تحترم الفنانين، وترعى لقاءً أسبوعيا في قصرها الخاص، كأنَّ الفن هو الذي بات يَهبُها عبق الصمود، ويكسر عنها رتابة الثراء. وبه تُروِّح عن ذهنها الذي أنهكته ملاحقة جدائل شعَر الصبايا حين تهزه الرياح.  

كانت دالية هي العربية الوحيدة الذي سُمح لها بالعبور إلى قصر السيدة الخاص، وقاعاته الفاخرة، وأثاثه الفخم، حيث انتظمت على جدران الصالون لوحاتٌ زيتية ثمينة، رُسمت في إحداها صورة مُتخيَّلة عن شهرزاد، وهي تسامر أميرَها، في الليالي الوردية. وكانت التحف النفيسة تملأ المكان، وأرج الياسمين يُضفي عليه سِحرَ الجِنان. وكانت الستائر، التي تحجب الحديقة الغناء، مَوصلية، وبعضها الآخر حلبيًا، والسجَّادات دمشقية زاهية، تحكي إتقانَ الصناعة وعتاقةَ التاريخ.

وفي هذا الصالون الفاخر، كانت السيدة تدعو، عشيةَ كل خميس، جماعةً من السياسيين والمفكرين والفنانين، يتجاذبون أطراف الأحاديث بينهم حول قضايا الساعة، كأنما يصوغون فصولَ رواية الزمن، ماضيه ومستقبله. وكانوا، باستثناء جاك باديك، أحدِ كوادر جبهة اليمين الفرنسية، يُعجَبون بمسامرات دالية حين تشرح لهم مقامات الموسيقى العربية، ومعماريات الأندلس وحدائق بغداد، ورقصات الجسد في قصور خلفاء بني العباس. وكم كان يثيرهم حديثها عن خمريات أبي نواس، تنساب أدبًا صافيًا، ووصفُها لطريق الحرير الذي كانت قوافل التجار العرب تقطعه، حاملة في هوادجها نفائسَ العطور والأرياش والتوابل، تشع تحت شمس الصحراء ألوانًا أخَّاذةً.  

وذكرت دالية غضبَها الذي كتمته شهورًا، لأنَّ السيدة "لوريال" لم تكن تراها رسَّامة حديثة، نالت شهادتها العليا في معهد باريس للفنون الجميلة، ولم تكن تدرك أنها شاركت في أرقى معارض العالم بلوحاتها التشكيلية، التي أوغلت فيها تجريدًا وتحيُّرًا بكل أطياف السؤال. فقد أتيح لها أن تسافر إلى أقطار الأرض كفنانة فرنسية، تمثل ذاكرة باريس الزاهية، ومتاحفها الحديثة. رسمت دربها الفنّي على فظاظة صياحِ أخيها، ينتهرها كلما همَّت بتسريح شعرها، وهي تغادر شقتهم البائسة بضواحي باريس الجنوبية.

سقطت دمعةٌ ثانية على الخد، حين ذكرت دالية أنَّ السيدة كانت تَحْدِبُ عليها بصدقٍ، وكانت تنشد إلى أحاديثها، ولكن لا تناديها إلا باسم: "شهرزاد"، ترى في حركاتها سيرورة "ألف ليلة وليلة"، وفي شروحها خلودَ الفتنة المتقدة. وكأنما تستذكر شهرزادَ التي كانت تتزيَّن كل ليلة، وتسرِّح شعرها المخملي، قبل أن تروي على مسامع شهريار قصصَ الحب والخيانة، وحكايات الثراء والشطارة، ولذعة الجسد المغمور في لفائف الأساطير وعَبَق البخور.

وفي ليلة شاتية باردة، أخبرتها السيدة أنَّ حسناوات الشرق، الهائمات تحت ستائر العشق، هن اللواتي ألهمنها ما ابتكرته - حين كانت شابة تعمل مع والدها- من العطور اللطيفة والمساحيق الفائقة. وأسرَّت لها، بابتسامة الشاكرين، أنها استوحت خرائط امبراطوريتها الممتدة من فاتنات الشرق وحورياته، بل من ضفائر شعورهنَّ حين تغازل رياحَ الصحراء ونسائمَ الأصيل. ومن دلالهنَّ، أبدعت في مَزج الأصباغ والعطور، تُهديها إلى الباريسيات عبقًا وسرًّا، ومنهن إلى نساء العالم ضياءً، حتى يظل الشرق - تضيف السيدة بالبسمة عينها- عِطرًا وفتنةً، تغذي بهجة الكون.

وفي أمسية أخرى، طلبت السيدة من دالية، بصوتٍ متهدج ونظراتٍ تائهة: شهرزاد! قصي عليَّ حكايات الشرق وجِنانه، وما كان في واحاته من ترجيع نغمات البادية، وأغاني الحضر بلوحاته الراقصة. شهرزاد! لا أفهم لماذا يقتل أبناءُ خلافة العباسيين راعيَ كنيسة وحرسَ العاصمة؟ ولمَ يفجرون ملهًى غانيا في باريس؟ ألم يكن رواده من الشباب الناعم، الذين كانوا يرقصون للحياة فرحًا؟ ولماذا يحطمون تماثيلَ بلاد الرافدين وتُحفه النادرة؟ ثمَّ لماذا يعطرون الموتى ويضمخون بالمسك جثثهم قبل مواراتها الترابَ؟ وتاهت ليلتَها السيدةُ في أسئلة لا رابط بينها، ولا حيلة في دفعها، تُغرِق بها دالية دفعةً، ولا تحير هذه الأخيرة جوابًا، بل تصغي في ألمٍ، حتى تكاد تترنح في مهب تلك الأسئلة، فلا يسعها سوى الفرار إلى متاهة العطور والقبور.

قال لها جاك باديك اليميني، ذات خميس، بنظرات شك وتوجس، إنَّ "بعضهم" يستغل ضعف مدارك السيدة، ويوظف كرمها العريض، للحصول على مبالغ باهظة، ترسمها يدُها المرتعشة على شيكاتٍ، ولا ندري - نحن - ما يصنعون بها. تجمدت أمام نظرات الشك هذه، وحاولت المُواربة، وراح بها الفكر إلى أيام مراهقتها حين كانت زهرة يانعة: ترسل شعرها وتسير متحدية صياحَ أخيها. ولكنها قررت أن تحافظ على ثبات شهرزاد وصفاء ذهنها. غرز جاك السكين في عمق اللحم، ورش فيه ملحًا، لما أضاف : "ومنهم مَن يحصل على مال السيدة لتمويل شبكات الإرهاب وجمعيات شباب يسافرون إلى الشرق الرهيب، ليقتلوا الأبرياء، أو ليعودوا إلى ديارنا، ونحن "الكفار" في نظرهم، يروعون أطفالنا ويقتلون فنانينا".   

لم تتمالك دالية نفسها من النشيج، وسقطت على خدها دمعة ثالثة: تذكرت أخاها الذي كان من ضمن من "هاجر" إلى العراق والتحق بدولة "الخلافة". فعلى نفس هذه القناة الإخبارية التي تبث نعيَ السيدة، شاهدته قبل سنتَيْن بأم عينيها، يحطم تحفَ بلاد الرافدين، وهو سافرُ الوجه. وجال بخاطرها كيف كان يمنعها من إرسال شعرها حين تعبر حيَّهم الفقير بضواحي #باريس الجنوبية، وكيف كان يتوعدها إن استخدمت عطرا قويًا أو صبغت شعرَها "وغَيَّرت خلقَ الله".  

تتالت الأخبار على الشاشة، ثم أعلنت المذيعة الشقراء أنَّ القناة ستبث، بعد ساعة، وثائقيا عن "تورط جاك باديك من حزب الجبهة اليميني، في تمويل جماعاتٍ، تشرف عليها مخابراتُ بلد حليف، وترتب سفرَهم إلى دولة "الخلافة". ماذا لو علمت السيدة أنَّ أخا دالية كان يكسر التماثيل، وأنَّ صديقها جاك كان يستغل عطاءها لتمويل "الخلافة"؟ غارت الذكريات في قلب دالية وانغرز السكين مالحًا في أعماق الجراح. أشعلت سيجارةً في غضبٍ، ثم مدت يدها إلى ترجمة "غالون" لـ"ألف ليلة وليلة"، تريد أن تثأرَ مِن شهرزاد.

إظهار التعليقات

يلفت موقع النهار الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

Digital solutions by WhiteBeard
Digital solutions by WhiteBeard