الاقتراح الكيميائي اختراق أم خدعة؟

9 أيلول 2013 | 23:02

المصدر: النهار

في آب الماضي، حض السناتور الجمهوري ريتشارد لوغار الذي كان يتزعم الجهود المشتركة بين الولايات المتحدة وروسيا لتقليص ترسانتيهما من الاسلحة النووية والكيميائية،حكومتي البلدين على التعاون للتخلص من مخزون الاسلحة الكيميائية السورية.الا أن مسؤولين روسا سارعوا الى رفض فكرة سناتور انديانا ، بحجة أن سوريا لم تنضم الى معاهدة الاسلحة الكيميائية التي وقعتها 188 دولة وتنص على التخلص من هذه الاسلحة.
أطلق لوغار مبادرته عقب تهديد النظام السوري في تموز الماضي باستخدام أسلحة كيميائية ردا على أي هجوم خارجي، في ما بدا في حينه أول اعتراف رسمي من دمشق بأنها تملك مثل تلك الاسلحة.وجاء اقتراحه في فترة حساسة، وقت كانت موسكو تقاوم بشدة نداءات الولايات المتحدة ودول أخرى للسماح بتدخل أقوى في سوريا التي كان قد مر على أزمتها 17 شهراً.

بين آب 2012 وأيلول 2013، اختلفت أمور وبقيت أخرى على حالها. فاستخدام الكيميائي لم يعد مجرد تهديد، وصور الاطفال التي جالت العالم تبقى الدليل الاقوى على ذلك، بينما بقي استخدام القوة ضد سوريا وحده وعيداً، وإن يكن ارتفعت وتيرته أخيرا الى مستوى قياسي في النزاع الذي يكمل قريبا سنتين ونصف سنة.
منذ البداية، بدا أن طريق السلام في سوريا يمر بموسكو. وعندما يأتي اقتراح تخلي دمشق عن أسلحتها الكيميائية من وزيرالخارجية سيرغي لافروق، ولإن يكن تلقفاً لنداء نظيره الاميركي جون كيري من لندن،يفترض أن تكون الازمة السورية دخلت منعطفا جديدا، ليس أقله كون الرئيس بشار الاسد سيذعن للطلب الروسي، وهو ما بدا واضحا في الرد الايجابي السريع جداً لوزير الخارجية وليد المعلم.

وفي نتيجة أولية، خرقت المبادرة الروسية الضجيج في شأن النقاشات الحامية المرتقبة في الكونغرس الاميركي في شأن مشروع القرار الذي ينص على تفويض البيت الابيض توجيه ضربة عسكرية ضد النظام السوري.ولا شك في أنها تشكل مؤشراً أول لحل ديبلوماسي محتمل للمواجهة التي بدت قبل أيام على شفير التحول حربا.ومع ذلك، ليس مضموناً بعد ما اذا كان هذا الحل قابلا للتطور، وهو ما يعتمد خصوصاً على ما اذا كان الروس جديين في دعوتهم الاسد الى التخلي عن أسلحته الكيميائية أم أنها مجرد تكتيتك جديد لكسب الوقت.ولكن في كلا الحالين، لا يمكن تقليل شأن الاعلان الذي يعتبر مفصلياً في المواجهة بين الغرب وروسيا على الضربات المحتملة لسوريا. كذلك، يمكن أن يعكس هذا الاعلان نتيجة فعلية للتهديدات الغربية ، واقتناعا لدى الروس بأن واشنطن قد تمضي في خططها المعلنة، وأنها تريد حقا تجنب مثل هذا السيناريو.وحتى لو كان الاقتراع الروسي خدعة، فانه يعكس أن تهديد أوباما أحرج موسكو ودفع مسؤولين روساً الى التفاوض جدياً للمرة الاولى منذ وقت طويل، بعدما رفضوا اقتراح لوغار في هذا الشأن العام الماضي.

بالتأكيد ليس ثمة أفضل من الروس لاقناع الاسد بالتخلي عن أسلحته الكيميائية واخضاعها للرقابة الدولية.ومثل هذه الخطوة ستكون نبأ سارا للسوريين، وخصوصاً لاوباما الذي سيتمكن من التباهي بتحقيق انتصار والتراجع بشرف عن خططه العسكرية.
وبحسب المدير التنفيذي لمعهد واشنطن لسياسة الشرق الادنى روبرت ساتلوف إن "مخرج الاسلحة الكيميائية قد ينهي أي احتمال لضربة أميركية-غربية لسوريا لتغيير ميزان القوى على الارض...وهذه اشارة الى أن خطة لافروف قد تكون جدية".
ومع ذلك، ثمة احتمال أيضاً أن تكون المبادرة الروسية خدعة ترمي الى ارجاء الضربة العسكرية المفترضة وبدء مفاوضات طويلة على نزع الاسلحة الكيميائية لا تؤدي في النهاية الى أي مكان، وفي الوقت نفسه تبدد الزخم الاميركي للتحرك ضد النظام السوري.
ويخلص مايك فيشر في "الواشنطن بوست" الى أن الجانب الايجابي من الاقتراح الروسي يكمن في أن حملة أوباما لحشد دعم لضربة لسوريا أرغمت روسيا على ما يبدو على القيام بمبادرة ذات مغزى.أما الجانب السيئ فيتمثل في أن روسيا قلبت الطاولة مجددا على الولايات المتحدة، ووضعت أوباما أمام قرار صعب، فهل يلبي نداء لافروف ويمضي في ما يمكن أن يكون واحدة من نوافذ قليلة لفوز حقيقي في سوريا، أم يصرف النظر عنها؟.
صار مبتذلا وصف المناورات الاميركية-الروسية حول سوريا بأنها مباراة شطرنج، الا أنها احيانا تبدو حقا كذلك، في رأي فيشر أيضا.

monalisa.freiha@annahar.com.lb
twitter:@monalisaf

إظهار التعليقات

يلفت موقع النهار الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

Digital solutions by WhiteBeard
Digital solutions by WhiteBeard