"أصبح عندي الآن بندقية"

9 آب 2017 | 07:00

أصبح عندي الآن بندقية.. ليس المقصود بها هنا قصيدة لنزار قباني، ولا الأغنية التي لحّنها محمد عبد الوهاب لأم كلثوم، بل هو حديث متفشّ بين الشباب.. كلّ يستعرض قواه ببندقية يقتنيها لانتسابه لهذا النهج السياسي أو ذاك. يطلق النار عند الفرحة والمصيبة غير آبه بالنتائج المترتّبة لذلك، بل في بعض الأحيان قاصداً توجيه بندقيته إلى منطقة حيث النفوذ "المعادي" لسياستة. أزمة بكل ما للكلمة من معنى، بدلاً من التثاقف والتنافس بين الشباب لما فيه خير لهم. 

قديماً، قد يكون لتلك الظاهرة أسبابها، منها صعوبة في التواصل والإشهار والإخطار نظراً لتباعد البنيان وتباين المسافات في ما بينها. لذلك كان يلجأ أهل القرى إلى إطلاق النار في الساحة إشعاراً بالتجمّع أو إخطاراً ببدء مراسيم الفرح أو الجنازة. أما اليوم، وبعد تطوّر وسائل الاتصال وسهولة الإشهار والإخبار، لم يعد هناك حاجة إلى إطلاق النار، إضافة إلى تقارب البنيان وتلاصقه في أحيان كثيرة، ما يؤدي إلى زيادة الخسائر المادّية والبشرية عند إطلاق النار وإصابة عدد كبير من الأبرياء بل في بعض الأحيان أهل الفرح نفسهم أو المصيبة.

وإذا حدّقنا مليّاً في أولئك المطلقين للنار، نرى أنّ بعضهم يعدّه هيبة ووجاهة أو من العادات السائدة في بعض المجتمعات، فكلما ارتقى الحدث ثقلت الذخيرة وكثر مطلقوها، حتى يحسب الشخص نفسه في جبهة ضارية مع العدوّ. إضافة إلى تصويب البعض الطلق الناري إلى الأحياء السكنية، حيث النفوذ المعارض لسياسته..

فأيّ رقيّ هذا وأيّ وجاهة مزعومة. فذلك إن دلّ على شيء يدلّ على التخلّف والحقد، لأنّ الإشهار في الفرح لا يكون في إرعاب الناس وإطلاق النار وتصويبها عليهم لإضرارهم في أنفسهم ورزقهم، بل إنّ استعراض القوى دليل ضعف، فشرف النضال والكفاح عبر العصور لم يكن يوماً بتصويب سلاح نحو أعزل!

أما من حيث القانون، فتنصّ المادة 75 (التي عُدّلت بموجب القانون 29-3-1966) من قانون الأسلحة والذخائر:

"كل من أقدم على إطلاق النار في الأماكن الآهلة وفي حشد من الناس، من سلاح مرخص أو غير مرخص به يعاقب بالحبس من ستة أشهر إلى ثلاث سنوات وبالغرامة من خمسمئة ليرة إلى ألف ليرة أو بإحدى هاتين العقوبتين،

ويصادر السلاح في جميع الأحوال".

وقد عُدّلت الغرامة فأصبحت من خمسين ألفاً إلى مئة ألف ليرة وفقاً للمادّة 30 من قانون رقم 89 تاريخ 7-9-1991.

إذاً، يتبين لنا من النصّ القانوني المتقدم، أنّ المشرع أخذ بإتمام الركن المادي للجريمة عند إطلاق النار وكينونة المكان آهلاً أو فيه حشد من الناس، غير معوّل على شرعية الحيازة للسلاح من عدمه، لما ينتج من ذلك أضرار مادّية ونفسية للمواطنين.

وعلى الرغم من صراحة المادّة القانونية، نرى البعض عابثاً إلّا أن يخالف القانون، والأخطر من ذلك تفشي السلاح وعدم احترام النصّ القانوني و لا حتى العقاب.

لذلك لا بدّ من تدخّل اجتماعي ونشر الوعي بين الأفراد والتحذير من ذلك الفعل بل ونبذ الفكر الذي يشجع على هذه "الثقافة".

لو أننا نعدّ ذلك الذي يطلق النار نحو بيوت الأبرياء مجرماً وحاقداً.. لو أننا نقاطع عرساً فيه إطلاق نار.. لو أننا نشترط في قبولنا الدعوة الانسحاب حال إطلاق النار..

إلى كل من يطمح لوطن أفضل.. لو أننا نرى أن المذاهب السياسية هي خصيصة التنوّع البشري في الفكر والتعبير، وأنّ الإنسان حتى لو تباينت آراؤه السياسية يبقى إنساناً عصم القانون دمه وماله ورأيه، يحقّ له العيش بأمان في دولة تحترم القانون.. ومن ذا الذي هو فوق القانون؟

إظهار التعليقات

يلفت موقع النهار الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

Website by WhiteBeard