ملفّ منى بعلبكي: ماذا في تقرير المفتّش المالي؟

7 آب 2017 | 19:38

المصدر: "النهار"

منى بعلبكي. لقطة من التلفزيون.

نطقت الهيئة العليا للتأديب بحكمها في ملفّ المخالفات المنسوبة إلى السيّدة منى بعلبكي، رئيس قسم الصيدلة لغاية عام 2009، فعزلتها آخذة عليها بيعها أدوية وزارة الصحّة العامّة واستيفاءها ثمنها لمصلحتها الشخصية واستبدالها بأدوية أخرى غير فعّالة وفاسدة منتهية الصلاحية. وطلبت الهيئة في بيان لها التوسّع في التحقيق مع موظفين وأطبّاء ساعدوا رئيسة قسم الصيدلة على ارتكاب مخالفاتها وجرائمها ولم يلقوا العقوبة اللازمة بعد. وقد ارتكزت الهيئة في ما ارتكزت عليه على التحقيق الذي كان قد أجراه المفتّش المالي ميشال ديب الذي اطلعت عليه "النهار" ويقع في نحو 150 صفحة.

ماذا في هذا التقرير؟ وهل هناك فعلاً محاولة لتحميل منى بعلبكي أكثر مما تتحمّله واستبعاد غيرها من أي مسؤولية في ما نسب إليها؟

قبل الخوض في تفاصيل الملفّ، وأمام الذعر والهلع اللذين انتابا العديد من المواطنين، والأخبار والشائعات المتداولة على مواقع التواصل الاجتماعي، لا بدّ من الإشارة إلى أنّ منى بعلبكي لم تعد تزاول عملها رئيسةً لقسم الصيدلة في مستشفى رفيق الحريري الحكومي الجامعي منذ الثاني عشر من أيار من عام 2009، ولكنها بقيت تتقاضى راتبها حتى عام 2012. 

فتّش عن الإدارة!

صدر تقرير المفتّش المالي ميشال ديب في نيسان من عام 2012، أي بعد أكثر من سنتين ونصف سنة على تكليف إدارة المستشفى التفتيش المركزي بالتحقيق في المخالفات المنسوبة لرئيس قسم الصيدلة وقبل سنتين ونصف سنة تقريباً من اتخاذ هيئة التفتيش المركزي أخيراً، استناداً للتقرير، القرار الذي قضى بإنزال عقوبة تأخير التدرج لمدة 12 شهراً بحق رئيس قسم الصيدلة منى بعلبكي وبإحالتها أمام الهيئة العليا للتأديب وأمام ديوان المحاسبة وبإحالة الملف على النيابة العامّة التمييزية.

قبل عرض مضمون التقرير والتعقيب عليه، ثمة سؤال أساسي يُطرح لفهم ما حصل في مستشفى رفيق الحريري الحكومي الجامعي ويتعلّق بالسياق والظروف التي سمحت لرئيس قسم صيدلة في مستشفى حكومي أن يبيع أدوية غير مخصّصة للبيع وأن يتقاضى أثمانها لمصلحته الشخصية وأن يستبدل أدوية بأدوية وما إلى ذلك مما نسب لبعلبكي. والجواب عن هذا السؤال، استطاعت "النهار" أن تجده عند بعض المطّلعين عن كثب على هذا الملف تحديداً وغيره من الملفّات "الفضائح" في المستشفى، إذ أكدت هذه المصادر أنّ إدارة المستشفى وفّرت لرئيس قسم الصيدلة، منذ أن عيّنت بعلبكي رئيساً له في أيلول من عام 2004، وبشكل تدريجي، إدارة صيدلية المستشفى كما لو كانت صيدلية خاصّة. ففيما كان قسم المشتريات في المستشفى يتولّى شراء الموادّ التي يحتاج إليها معظم الأقسام والدوائر والمصالح، استثنت الإدارة الصيدلية من هذا الإجراء وسمحت لها بالتفاوض مباشرةً مع مورّدي الأدوية، فأتاحت لها إعداد طلبات الشراء وتسلّم الأدوية والقيام بجردات خاصّة وتصحيح مخزونها الدفتري وبيع الأدوية وتقاضي أثمانها وما إلى ذلك من الصلاحيات والمهامّ التي، بتناقض بعضها مع البعض الآخر، شكّلت ثغرات لا بل فجوات، سمحت لمستخدمي الصيدلية بالتصرّف دون حسيب. وهذا الواقع، البعيد كل البعد عما يمكن أن يشبه العمل المؤسسي، لم يتطرّق إليه تقرير المفتش المالي ميشال ديب ولم يربط بينه وبين العطايا من أدوية الصيدلية، التي منحت لإداريين ومستشارين وجمعيات وردت أسماؤهم في تقريره بل اقتصر هذا التقرير على توصيف نتائج هذه الظروف دون الخوض في مسبّباتها.

التحقيق في ما كان يحصل في صيدلية المستشفى لم يبدأ إلّا في عام 2009. قبل ذلك، كان تقاضي مبالغ عن "إعارة" أدوية سرطانية، للمرضى الذين لم يمكنهم تأمين الدواء، يتمّ بعلم الإدارة في المستشفى ومعرفتها، وخصوصاً مصلحة المشتريات التي يتبع لها قسم الصيدلية إدارياً، والمصلحة المالية التي سمحت بتقاضي مبالغ في صندوق خاصّ لا تمسك به سجلّات أو بإصدار إيصالات ثم إلغائها بعد تسليم المبالغ المتقاضاة في صناديقها للصيادلة.

ولكن الواقعة، التي قصمت ظهر البعير، ولم يعد ممكناً معها غضّ النظر عما يجري، وقعت في 31 آذار 2009. في ذلك اليوم، أحضر زوج مريضة كانت تعالج في المستشفى على حساب الضمان الاجتماعي دواءً لم يكن متوفراً في المستشفى من عند الطبيب المعالج ر. ج، المتخصص في الأمراض السرطانية، مع فاتورة صادرة عن إحدى الصيدليات الخاصة، وأحضر معها الدواء الذي تبيّن أنه ممهور بختم وزارة الصحّة. رفض الصيادلة في المستشفى تسلّم الدواء، فتسلّمته بعلبكي. أدّت هذه الواقعة إلى تكليف مصلحة التدقيق الداخلي من الإدارة في 8 نيسان 2009 التحقيق في الشوائب الصادرة عن رئيس قسم الصيدلة. ولأنّ المصلحة أشارت إلى مخالفات خطيرة من بعلبكي، قررت الإدارة إيقافها عن العمل رئيساً لقسم الصيدلة في 12 أيار 2009، ولكن اللافت أنه تم تكليف التفتيش المركزي بالتحقيق مجدّداً في 11 آب 2009.

أخذ المفتّش المالي ميشال ديب على منى بعلبكي، في تقريره الصادر في 24 نيسان 2012، أولاً عمليات "الإعارة" التي كانت تجري على مرأى ومسمع الجميع، معتبراً إياها عمليات بيع لمصلحة بعلبكي الشخصية، محملاً إياها كامل مسؤوليتها بالرغم من إشارته في التقرير إلى أنّ العديد من هذه العمليات كان يتمّ في صناديق المستشفى على الحساب ذي الرقم 99999، فكان يتم إصدار إيصال للمريض حين يدفع ثمن الدواء الذي لم يستطع تأمينه لعلاجه من مستودعات وزارة الصحّة للصناديق، ثم كان يتمّ إلغاء الإيصال بناءً على طلب الصيادلة وتقاضيهم المبالغ من المريض بناءً على طلبهم. ولعلّ أكثر ما دلّ على أنّ العمليات كانت تتمّ لمصلحة رئيس قسم الصيدلة، بحسب ديب، هو عدم إمساك أيّ سجل بها. ولكن اللافت على هذا المستوى، هو عدم التفاته إلى أنّ هذه العمليات قد جرت خلال فترة طويلة بعلم المستويات الإدارية كافّة في مصلحة الشؤون المالية والإدارية التي تتبع لها الصناديق إدارياً، وبعلم الإدارة العامّة التي لا تبعد مكاتبها سوى أمتار عن الصناديق وبعلم كافة المستويات الإدارية في مصلحة إدارة الموادّ والمشتريات التي يتبع لها قسم الصيدلة.

استبدال الأدوية 

المخالفة الثانية، هي استبدال بعلبكي الأدوية بعضها ببعض، إذ بيّن المفتّش ديب أنّ بعلبكي استبدلت دواء Vincristin بدواء آخر Generic هو Cytocristin دون علم الأطبّاء المعالجين، مستنداً بذلك إلى تحقيق ضمّه لتقريره، أجراه طبيبان وبيّنا فيه أنّ دواء Vincristin قد استبدل بدواء Cytocristin المصنّع في الهند. كذلك استند إلى تقرير سابق للطبيبين عينهما كانا قد نظماه في 11 كانون الأول 2008 إثر استعمال دواء Cytocristin، وقد أشارا فيه إلى ظهور عوارض خطيرة في الأشهر الثلاثة الأخيرة على بعض الأطفال (وعددهم 4) تراوحت بين الآلام الحادّة إلى الشلل. وبمتابعة حركة دواء Vincristin وما وُجد فعلياً منه، بيّن المفتّش أنّ دواء Cytocristin قد دخل إلى المستشفى باسم Vincristin حيث تم تضمين طلب الشراء المنظّم من الصيدلية للشركة المستوردة دواء Vincristin فيما تم تسلّم دواء Cytocristin فعلياً. أما كيف دخل هذا الدواء إلى لبنان، فقد وصف ديب استيراده من شركة Unipharm بالمخالف للأصول، نظراً لأنه تمّ بناءً على توقيع وزير الصحّة.

المأخذ الثالث الذي نسبه التقرير لبعلبكي هو بيعها أدوية منتهية الصلاحية. فأثبت عبر متابعة حركة دواء Aggrastat خلال عام 2008، أنّ شراءه قد تمّ بصورة لا تتطابق مع استهلاكه، وأنه قد تمّ استعمال عبوتين منه بعد انتهاء صلاحيتهما. وأوضح كيف تمّ تعديل تاريخ انتهاء الصلاحية على نظام المستشفى المعلوماتي ليتسنّى استخدام هاتين العبوتين. واستند ديب أيضاً إلى اعترافات بعلبكي باستخدام دواءي Tarivid وBiosetron خارج تاريخ الصلاحية. لكن اللافت أنّ تقرير ديب لم يذهب أبعد من إلقاء المسؤولية على بعلبكي حصراً، فهو لم يعر أيّ اهتمام لمن يمكن أن يكون قد أعطى بعلبكي صلاحية تعديل تاريخ انتهاء الدواء على النظام المعلوماتي، ليتم استخدامه بعد هذا التاريخ.

"خدمةً لبعلبكي"

المأخذ الرابع الذي ورد في التقرير هو قيام بعلبكي بعمليات شراء وهمية. وقد تبيّن ذلك من متابعة حركة دواء Kidrolase ومن خلال التثبت من صحّة إحدى الفواتير العائدة لعام 2009 التي تضمّنت ستّ عبوات منه، فأكّد أنّ التحقيق مع الصيدلية التي نظمت الفاتورة بيّن أنها قد نظمتها "خدمةً لبعلبكي" وأنه لم يورّد أيّ عبوة من الدواء الذي تضمنته فعلياً إلى المستشفى. ويظهر ذلك أيضاً من متابعة حركة دواء Herceptin، فأورد تقريره أنّ التحقيق في صحّة الفاتورة التي أحضرها في 31 آذار 2009 زوج المريضة التي يعالجها الدكتور ر. ج. مع العبوة الممهورة بختم وزارة الصحّة قد بيّن أنّ الصيدلية التي نظمتها لم تشتر الدواء من الأصل. كما أورد أنّ الفاتورة التي نظمتها صيدلية أخرى بعد امتناع مسؤول الصناديق عن دفع الفاتورة الأولى، بالرغم من مناشدات رئيس قسم الصرفيات له، كانت وهمية هي الأخرى وأنّ المبلغ الذي تم تسلّمه في المقابل لم يصل إلى هذه الصيدلية وأنّ الصيدلية لم تسلّم أيّ دواء مقابل المبلغ لبعلبكي التي ادعت أنها تسلّمت العبوة من الصيدلية وسلّمتها للدكتور ر. ج. هنا أيضاً، ولدى عرض التوصيات التي أنهى بها المفتش تقريره، لم نجد أي اقتراح لإنزال عقوبة بالمتدخلين للحثّ على دفع قيمة الفواتير الوهمية أو بمن دفع المبلغ من صناديق المستشفى لغير "صاحب الدين".

عدم التسجيل 

وأخذ تقرير المفتش المالي على بعلبكي، خامساً، عدم تسجيل الكميّات المجّانية أو غير المجّانية من الأدوية التي يمنحها أو يبيعها المورّدون للمستشفى على النظام المعلوماتي، من ثمّ عدم إثبات دخولها إلى مخزون المستشفى. وحاول تبيان ذلك من متابعة حركة بعض الأدوية ومن مقارنة ما ورد في سجلّات الشركات المورّدة مع ما ورد في سجلّات المستشفى. وقد حمّل بعلبكي في هذا الشأن كامل المسؤولية عن عدم إدخال كميّات مجّانية منحتها الشركات. والمستغرب هنا أن يتولى رئيس قسم الصيدلة في مستشفى حكومي مهامّ الشراء والتسلّم وإدخال الكميّات على النظام المعلوماتي وما إلى ذلك من المهامّ التي تتناقض بمعظمها. والسؤال هو من أعطاها هذه الصلاحيات والمسؤولية التي تترتّب على من وفّر ظروف الخطأ أو الاختلاس؟

أسباب وجود عبوة ممهورة

وفي سياق عرض حركة دواء Herceptin تطرّق المفتّش إلى أسباب وجود عبوة من هذا الدواء ممهورة بختم وزارة الصحّة عند الطبيب ر.ج. فاستند إلى التحقيق الذي أجرته مصلحة التدقيق الداخلي، وما تضمّنه من إفادات لبعض الممرّضين في موضوع أدوية ممهورة بختم وزارة الصحّة استحصلت عليها إحدى الممرّضات بناءً على وصفة من الدكتور ر. ج. لإحدى قريباتها ووضعتها في البرّاد تمهيداً لإعطائها لها؟. وكذلك من خلال الرجوع إلى معطيات المريضة في مركز توزيع الأدوية التابع لوزارة الصحّة العامّة في الكرنتينا، الذي توضح مستنداته، بلا شك، إحدى طرق نهب الأدوية من مستودع وزارة الصحّة في الكرنتينا. ثم بيّن، من خلال مقارنة أجراها بمعيّة التفتيش الصحّي عمّا حصل عليه بعض مرضى الطبيب ر. ج. الذين يعالجون في مستشفى رفيق الحريري الحكومي الجامعي من أدوية من مركز توزيع الأدوية التابع لوزارة الصحة خلال عام 2008 و2009 وما تلقوه من أدوية موجودة في ملفاتهم الطبّية في المستشفى، أنّ عدداً لا يستهان به من الأدوية مفقود. وفي السياق عينه، أشار إلى أنّ محطة الـLBC قد أوردت في شهر أيار 2010، أنّ استخبارات الجيش قد أوقفت شاحنة من نوع بيك أب في البقاع متجهةً إلى سوريا ومحملةً أدوية ممهورة بختم وزارة الصحّة، وأنه راسل قيادة الجيش للوقوف على حقيقة الأمر دون أن يتلقّى جواباً منها. وربط في حيثيات اقتراحاته في نهاية تقريره بين هذه الشاحنة وأحد مستشاري وزير الصحّة ع. خ. وأحد مستشاري مدير المستشفى ب. م. وابن أحد مالكي مستشفى في البقاع ح. م.

عدم التطابق

لم يلتفت المفتش ديب، في تقريره في موضوع عدم التطابق، بين كمّيات بعض الأدوية الدفترية والكميات الفعلية، ولا في ردّه على دفوعات بعلبكي عمّا أفادت به حول منح أدوية للعديد من الموظفين مجاناً، على الرغم من أنها أوردت أسماءهم ومنهم مستشار المدير العام ب. م. ورئيس دائرة الهندسة الطبّية م. ق. ورئيس مصلحة الشؤون المالية والإدارية ن. ص. ورئيس قسم الصرفيات و. د. ورئيس قسم التخطيط والموازنة م. ش. وأحد أعضاء مجلس الإدارة بواسطة أمينة سرّ المدير العام ر. ب. والمدير العام، ولم يرد في التقرير أو في تعقيبه على دفوعات بعلبكي أيّ استجواب لأحدهم.

في الخلاصة، يظهر بوضوح أنّ البحث عن المسؤوليات في مخالفات الصيدلية لم يتخطَ بعلبكي. فهل تذهب الهيئة العليا للتأديب إلى نهاية الملف؟ وهل يذهب القضاء الجزائي إلى تجاوز مستوى بعلبكي الإداري في تحديد المسؤوليات، أم يكتفي بهذا المستوى كما سبق له أن فعل في ملفّ المازوت؟

Salwa.baalbaki@annahar.com.lb


إظهار التعليقات

يلفت موقع النهار الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

Website by WhiteBeard