"مشيتُ من جديد بعدما كنتُ شبه مشلول!"... شادي يروي قصته مع الـ Guillain Barré

25 تموز 2017 | 14:07

المصدر: "النهار"

نعيش تحت رحمة الحياة بكل تقلباتها، نبحث كثيراً عن أجوبة لهذه الخيبات والضربات التي تأتينا من كل حدب وصوب ولكن عبثاً نحاول. كلمة "لماذا" تلاحقك في كل مكان، تعيش معك في تفاصيلك من دون أن تنجح في معرفة ما يجري. تتسارع الأحداث عليك وأنت تمضي معها مشوشاً، ضعيفاً حيناً ومنتصراً حيناً آخر، تعلو سعيداً في نجاحاتك وتسقط مصدوماً في خيباتك، لكنك في كلتا الحالتين تجد نفسك عاجزاً عن التحكم ببعض الامور المسلم بها، وأهمها "صحتك". هل يملك احدا ما هو أغلى من صحته؟ بالطبع لا، لكن ماذا لو وقعت فجأة في دوامة المرض قبل ان تعرف حتى ماذا جرى معك والتغيرات التي طرأت على حياتك دون سابق انذار؟  

قد يحلو للقدر ان يستفز حبنا للحياة ليتأكد من قدرتنا على الصمود في وجه المصاعب. أحيانا علينا ان ننكسر ونتذوق طعم الخيبات حتى نعرف قيمة الربح والانتصار. أقله هذا ما يمكن ان نقوله عن شادي عبيد، إبن الـ35 عاماً الذي كان عليه ان يعيش مع مرض يُصيب الجهاز العصبي ويجعلك بين ليلة وضحاها على كرسي متحرك عاجزاً عن الحراك وهو في الـ 25 من عمره. أسئلة كثيرة لم يتسنَ لشادي ان يُجيب عنها، ألم المرض فرض عليه خوض معركة لم تكن في باله، وجوه كثيرة كشف حقيقتها، وخيبات جسدية ومعنوية كان عليه ان يعيشها قبل ان يختم فصول مرضه بالإنتصار عليه. في هذه السطور يروي شادي مرحلة صعبة من حياته، يُدخلنا الى عالمه الخاص الذي يختصر فيه قصصاً كثيرة لم يحدثنا احد عنها سابقا، انها المرة الاولى التي نسمع بها، او نتأكد من وجودها.

اسم المرض غيلان باريه او Guillain Barré ويعتبر من الاضطرابات التي تجعل جهاز مناعة الجسم يهاجم جزءاً من الجهاز العصبي المحيطي. وقد تؤثر المتلازمة على الأعصاب الطرفية التي تتحكم في قوة العضلات وكذلك تلك التي تنقل الإحساس بالألم ودرجة الحرارة واللمس. وقد يؤدي هذا إلى ضعف العضلات وفقدان الإحساس في القدمين والذراعين ومضاعفات تصيب جهاز التنفس والقلب.

يتحدث شادي عن كل هذا بصيغة الماضي، يسترجع فصوله بدقة وحرص شديدين، فالذي عاشه ليس سهلا ابدا، يقول: "بدأ كل شيء في شهر حزيران 2010 ، كنت اعمل في السعودية وأُصبت بالرشح لكن بعد مرور اسبوع بدأت أشعر بألم في الكتفين واليدين وصولاً الى اصابعي. مرّ اسبوع والألم يزداد قوة دون معرفة السبب الحقيقي. قصدتُ اطباء عدة، بعضهم قال لي "ملوحات" وبعضهم وصفوا لي "كريمات"... كانت مجرد تكهنات غير صحيحة وحالتي تزداد سوءاً يوما بعد يوم. لم يعد الألم يُحتمل وضعف اليدين اصبح كبيرا، فقررتُ النزول الى لبنان لإجراء المزيد من الفحوص ومعرفة حقيقة ما يجري".

ويتابع شادي في سرد التفاصيل مضيفاً "في بيروت، استشرتُ عدداً من الأطباء وأجريت العديد من الفحوص وظنوا بداية انه قد يكون "ديسك". لم ينجح احد في تشخيص حالتي الى ان توجهت الى مستشفى بحنس للقيام بفحص تخطيط العضلات الكهربائي EMG الذي كشف المشكلة الحقيقة والتي تصيب العصب مباشرة. يومها قال لي الطبيب الذي اجرى لي الفحص انه لم يعد بإستطاعتي المشي" او بالعامية "انشليت" هكذا اطلعني على تفاصيل وضعي الصحي بكلمة قاسية اختصرت كل شيء، أقله بالنسبة اليه".

توجه شادي من بعدها الى طبيب مختص في الجهاز العصبي في احد المستشفيات في الاشرفية وكانت حالته تزيد تراجعاً وضعفاً بشكل مخيف. كل يوم أضعف من يوم الى ان طلب منه الطبيب اجراء مجموعة من الفحوص الجديدة التي كشفت مرضه الذي يُطلقون عليه تسمية "غيلان باري". هكذا اصبح على شادي ان يواجه مرضا لا يعرف عنه شيئا إلا انه يفقده قدرته على المشي والحركة ودون اية مقدمات.

يعود شادي بالذاكرة الى تلك المرحلة واصفا كيف شرح له الطبيب تفاصيل حالته والتطورات التي ستحصل وكيف ستكون حياته في هذه المرحلة. يقول: " كانت المرحلة صعبة جداً، تلقيتُ علاجاً اسمه Plasmapheresis او استخراج البلازما ( تفصل البلازما عن بقية مكونات الدم الخلوية) لمدة 3 اسابيع داخل المستشفى. كانت هذه المرحلة من أصعب المراحل التي يمكن لأحد ان يتخيلها، كل يوم أسوأ من يوم، كل يوم شلل اكثر من يوم حتى وصلتُ الى نقطة الصفر حيث بات عليهم ان يحملوني للدخول الى الحمام ووضعي على السرير وإطعامي. لم يعد بإستطاعي ان اقوم بأي حركة، أعجز عن وصف هذا الشعور الذي يخالجك في تلك الاوقات. أنا لا أملك القدرة على تحريك أطرافي، انا ببساطة عاجز عن القيام بأي شيء.

خسارتي الجسدية يُقابلها خسارة معنوية كبيرة، فلقد فقدت والدي قبل 6 اشهر من معرفة مرضي. وفاته كانت ضربة موجعة على كل الأصعدة، ليُشكّل مرضي ألماً جديداً يُضاف الى الألم الذي تعيشه والموت الذي عليك ان تتعايش معه رغم قسوته وغدره".

بعد 6 جلسات علاجية من Plasmapheresis قرر الطبيب ارسال شادي الى مركز العلاج الفيزيائي في بحنس لإعادة التأهيل. يسخر من الحياة عندما يتذكر انه حين دخل الى المستشفى كان ما زال قادرا على المشي وخرج منها على كرسي متحرك، عاجزا عن تحريك يديه وقدميه. يقول متأثراً "شعرت بالفشل وان حياتي توقفت هنا، كنت احاول جاهدا اخفاء كل هذه المشاعر اليائسة عن امي وحبيبتي، واحاول التمثيل على الجميع بأني بخير ومتأكدٌ من ان الامور ستعود كما كانت في السابق، وانها مرحلة ظرفية ستمرّ قريباً.

فكر كثيراً ووصل الى قرار بحسم علاقته مع حبيبته ميشا، كما يحب ان يناديها، خصوصاً انه كان يجهل ماذا سيجري معه والتطورات التي يمكن ان تطرأ على حياته. يعترف بأنه "لم أكن أريد ان اظلمها معي، لم اكن اعرف اذا كنت سأعاود المشي مجددا، لذلك قررت ان اتركها ترحل بعيداً من ضغط المجتمع والظروف وغموض وضعي وأردتها ان تكون بعيدة من كل ما يجري. لكنها لم تقبل ان تتركني وقررت ان نبقى معاً لتخطي كل هذه المرحلة وتمّ تأجيل خطبتنا التي كانت مقررة في آب 2010 حتى أسترجع صحتي. خضات كثيرة تعيشها عندما تعاني من انتكاسة صحية، فهي تكشف لك حقيقة الاشخاص الموجودين بقربك. شعرتُ بالصدمة والخيبة من بعض الأصدقاء الذين كنت أعتبرهم من المقربين، ابتعدوا كثيرا ولم يأتوا لزيارتي او الاطمئنان فيما البعض الآخر تقصد زيارتي للتأكد فقط بأنني أصبحت مشلولاً".

ويتابع "لا اخفي عليكِ اني كنت اُستفز من تصرفات بعضهم ونظراتهم واشعر بالإنزعاج في بعض الأحيان لكنها ساعدتني في المقابل على المثابرة والصمود لكي أكون أقوى رغم كل ما يحدث. هكذا بدأتُ مرحلة جديدة في حياتي وبدأت علاجاً فيزيائيا مكثفاً لإسترجاع قوتي وقدرتي على المشي من جديد. كانت مراحل العلاج صعبة ومؤلمة، خيبات كثيرة تعيشها هناك بسبب السقطات المتتالية عند محاولة المشي، وعدم قدرتي على الوقوف بمفردي. انها تفاصيل صغيرة لكنها تترك أثراً كبيراً ووجعاً داخلياً وكأنك في مواجهة مع جسدك لإسترجاعه كما كان. لكن كان في داخلي صوتا يخفت لي بأني سأعاود المشي مجددا رغم كل السقطات، كنت احاكي نفسي وعلى ثقة وايمان بأني سأنجح في ذلك".

يتابع شادي سرد قصته مضيفاً "في ليلة 16 آب وبينما كنت نائماً، إستيقظتُ فجأة ولمحتُ صورة كاهن يقف في وجهي لثوانٍ قبل ان يختفي، وضعتُ اشارة الصليب واغمضت عيني وقلت "يا مار شربل". بعد اسبوع على هذه الحادثة لم اخبر احداً بما يجري والخطوات التي اقوم بها بمفردي الى ان وصلت حبيبتي كالعادة لزيارتي، فطلبتُ منها الجلوس وقمت بالوقوف والمشي قليلا بمفردي، مفاجأة لم يتوقعها احد، فرحة لا توصف وصدمة ايجابية بعد مرحلة صعبة.

في ذلك الوقت ، كان لدي موعد مع الطبيب لمتابعة حالتي فكانت صدمته كبيرة، برأيه حدث شيء ما حتى تمكنت من المشي بهذه السرعة، فهو كان يتوقع ان استغرق نحو 5 الى 6 اشهر لأخطو هذه الخطوات. لم يتوقع ان يراني على هذه الحالة. إستكملت الجلسات الفيزيائية في مركز بحنس الذي اصبح مكان اقامتي الموقتة. وفي 15 ايلول قررت حضور زفاف صديقي بعد إلحاح منه وذهبت الى الزفاف وانا اقود سيارتي وبرفقة حبيبتي".

يكشف شادي عن خيباته في تلك المرحلة بالقول "عشتُ في هذه المرحلة اكثر من خيبة وانتصار، وجودي في بحنس جعلني اختبر صداقات كثيرة بعضها فاجأني سلباً وبعضها الآخر ايجاباً. خبأت كل هذه المشاعر في قلبي، وقررت ان اضع هدفاً واحداً نصب عيني ان اعاود المشي من جديد ومتابعة حياتي وكأن شيئاً لم يكن. بدأتُ اتمرن على قيادة سيارتي من جديد، الكل تفاجأ من الموضوع، بعضهم سعيد برؤيتي امشي في حين صُعق البعض الآخر متهكماً وساخراً. إحساس غريب اعجز عن وصفه، لكن كل ذلك لم يزدني الا اصرارا وعزماً على متابعة معركتي والانتصار فيها. لقد ساعدني جدا وقوف حبيبتي الى جانبي، كنت اتوقع ان ترحل وتكمل حياتها بعيداً مني لكنها على العكس زادت تمسكا واصرارا، حبها جعلني أقوى من أي شيء آخر".

ويضيف "كثيرون توقعوا بأني سأبقى مشلولاً طوال حياتي، واني لن اتزوج او اكمل حياتي كما كانت في الماضي. اخبار كثيرة تسمعها عندما يمر احد ما في ظروف صحية، سمعتها وعرفت بها. الظروف التي فرضت على بعض الاصدقاء الرحيل او عدم السؤال عنك قابلها اهتمام ومتابعة من البعض الآخر، هكذه هي الحياة بحلوها ومرّها. وإزاء كل هذه الامور لا يمكنني ان انسى الشركة التي كنت اعمل فيها، لم تتركني في هذا الظرف ولو للحظة، سواء من الناحية المادية او المعنوية رغم غموض حالتي. وبعد تحسن حالتي أمنوا عملاً لي في لبنان لمتابعة اعمال الشركة الى حين استرجاع صحتي والسفر الى هناك".

هكذا استرجع شادي حياته ونشاطه، وسافر في تشرين الثاني الى الأردن مع الشركة التي يعمل فيها بعد طلب منه. استلم مشروعاً هناك وكان يتلقى الدعم في كل خطوة يقوم بها. لا يجد الكلمات للتعبير عن امتنانه وتقديره لكل ما قدموه او فعلوه من أجله، لم يتركوه للحظة.

يختم شادي قصته بعبرة جميلة يصرّ على مشاركتها مع كل الذين شككوا في خياراته وقراراته مع حبيبة قلبه، بالقول "أثبتنا للجميع ان الحب الحقيقي لا يقف عند عثرة او مشكلة، الحياة تعلمنا كثيراً وبضرباتها تزيدنا قوةً وعزماً. حددنا موعد الخطبة التي استمرت 3 سنوات وتكللت قصتنا بالزواج رغم كل الضغوطات الاجتماعية والقيل والقال التي رافقتنا في تلك المرحلة التأسيسية في حياتنا لا سيما في موضوع انجاب الاطفال والخوف من انتكاسة صحتي التي شغلت بال الكثيرين من حولنا. لكن نجحنا في تخطي كل هذه الامور وتزوجنا ورزقنا بطفة تساوي الدني كلها".

حسم 50% على إشتراك “النهار” Premium السنوي

إظهار التعليقات

يلفت موقع النهار الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

Digital solutions by WhiteBeard
Digital solutions by WhiteBeard