صناعة المراكب في الميناء: صراع من أجل البقاء (صور)

23 تموز 2017 | 11:40

المصدر: "النهار"

الميناء (رولا حميد).

كانت مدينة #طرابلس من أبرز المدن الفينيقية على حوض البحر الأبيض المتوسط، وقد اشتهرت بمرفئها الذي كانت تنطلق منه السفن الفينيقية تمخر عباب البحر إلى الشواطئ الأوروبية والشمال – أفريقية، محملة بالبضائع المحلّية الصنع، وتعود محمّلة بمنتجات البلدان المختلفة، ناشرة في الوقت عينه أول حروف الأبجدية، أم اللغات. 

وفي الوقت عينه اشتهرت المدينة بصناعة البواخر، من مختلف الأحجام والأشكال منذ آلاف السنين، إذ تشير الأبحاث الموثقة والتنقيبات إلى أن الفينيقيين هم أول من ركب البحر ووصلوا إلى أميركا الجنوبية. وقد عثر على آثارهم في بوليفيا والأرجنتين، وتعود إلى قرون طويلة سبقت اكتشاف كريستوفر كولومبوس القارّة الأميركية عام 1492. 

فهل كان الشاعر نزار قباني محقّاً بقوله: "حبكت أنوالنا أول خيط من شراعٍ"، مشيراً بذلك إلى أنّ أول من صنع المراكب وأشرعتها هم الفينيقيون، انطلاقاً من سواحلنا.  

فعلى متن سفينة من لبنان انطلقت الأبجدية بحراً، لتعلن أنّ شعباً يتقن فنّ معرفة الحياة لن يدرك الوهن عزيمته أبداً. وعلى متن سفينة أخرى انطلقت "أليسار" لتؤسس قرطاجة التي أدّت دوراً مهماً في التاريخ القديم. 

ويروي التاريخ أن طرابلس (الميناء حالياً)، اشتهرت بصناعة السفن منذ القدم، وما زالت صناعة القوارب ناشطة حتى اليوم. واهتم "أنتيغونس" أحد خلفاء الإسكندر، خلال حكمه لمدينة طرابلس (الميناء)، الذي دام إحدى عشرة سنة (301-312 ق.م)، ببناء السّفن فكانت طرابلس (الميناء) من المدن التي أُنشئت فيها المصانع لبناء هذه السّفن، وجيء بالأخشاب من أعالي جبل لبنان، حيث بُني أسطول كبير لمصلحة "أنتيغونس".  

ويذكر التاريخ أيضاً أن القائد الروماني بومبيوس ضمّ لبنان إلى الإمبراطورية الرومانية سنة 364 ق.م. حيث بقيت طرابلس ستة قرون تحت الحكم الروماني، وكانت من بين المدن التي أنشئت فيها المصانع لبناء السفن، وكانت الأخشاب تنقل من جبال لبنان بواسطة الثيران، حيث ارتكب الرومان أكبر مجزرة بيئية بحق لبنان حين اقتطعوا الأشجار من قسم كبير من أحراجه.

وبحسب التاريخ، فإن الأسطول العربي الذي استخدم في معركة "ذات الصواري" التي انتصر فيها الخليفة الأموي معاوية بن أبي سفيان على الأسطول البيزنطي سنة 655 م، بنيت سفنه في مدينتي طرابلس وأرواد، ما يؤكد تطوّر الصناعة الفينيقية للسفن. وفي ذلك الحين وطئت قدما معاوية السفينة للمرة الاولى في حياته في مرفأ طرابلس، مدشّناً الأسطول العربيّ قبل اندلاع المعركة. 

وفي عصر المماليك اهتم نوّاب السلطنة، وأحياناً بعض السلاطين بصناعة السفن وخاصة الحربية منها. 

أما عام 1955 م فقد أنزلت إلى البحر أول باخرة حديدية (ندى)، من تصميم محمد يحيى وتنفيذه، وكانت حمولتها 500 طن، وبعدها تتالت صناعة البواخر الحديدية وتطورت بشكل ملحوظ خلال العقود الماضية وصولاً إلى يومنا هذا. 

وبالعودة إلى صناعة المراكب، للنزهة والصيد، في ميناء طرابلس، فإن هذه المهنة لا تزال تقاوم الاندثار بعدما كانت منتشرة بكثرة حتى مطلع سبعينيات القرن الماضي، ولم يبق منها سوى مشاغل معظمها بدائي، تعمل بشكل خاصّ في مجال الترميم بعدما غزت القوارب المستوردة لبنان. 

وقد مارست هذه الصناعة عائلات المدينة المختلفة نظراً لموقع المدينة على البحر واحتلالها مكانة اقتصادية (صيد السمك) وسياحية (النزهة) وتجارية (استيراد أو تصدير البضائع)، وكان الميناء مقصد الراغبين باقتناء مراكب أو صيانتها. 

صناعة القوارب 

يستخدم الصيّاد القارب أي "الفلوكة"، وقد مرّت صناعة القوارب بمراحل مختلفة، من قارب صغير يسير بواسطة الشراع إلى قارب يسير بواسطة المجداف، إلى قارب يسير بواسطة المحرّك الآلي. وحتى الآن لا تزال قوارب الصيد والنزهة في ميناء طرابلس تصنع من الخشب، وتتراوح مدة صناعة الواحد منها بين شهرين وثلاثة أشهر، بحجم وطول يتراوحان ما بين 4 و 15 متراً. ويعدّ الميناء مركزاً اقتصادياً مهماً ، نظراً لوقوعه على شاطئ البحر. وقد أنشأت شركة إيطالية المرفأ فيه بين عامي 1955 و 1960، عند الطرف الشمالي للمدينة، ما انعكس إيجاباً على قطاع النقل البحري والحياة الاقتصادية، حيث وفّر المرفأ مئات فرص العمل، وإلى جانبه مرفأ الصيادين ومراكب النزهة التي تزدهر صيفاً حيث تنقل المتنزهين من وإلى جزر النخيل الفريدة من نوعها في لبنان. وبالتوازي ظهرت صناعات وخدمات رديفة للسفن، وازدهرت مهنة صيد الأسماك وصناعة الشباك التي تعمل فيها مئات العائلات الميناوية، كذلك بيع أدوات الصيد، وأيضاً سوق السمك الذي يقصده الزبائن من مختلف المناطق اللبنانية.  

إلا أن مصانع القوارب في الميناء تراجع عددها إلى حدّ بعيد، وهي اليوم تقاوم الاندثار بعدما كانت مهنة تدرّ عوائد مالية كبيرة يتوارثها الميناويون ويتباهون بإتقانها وكسب لقمة العيش، وصار بعضهم ممن يتمسكون بالمهنة يصنعون قوارب صغيرة وسواها من الأدوات للزينة المنزلية، فيما افتتح مصنع لزوارق "الفيبر" وزوارق التزلّج المائي.

المعلم محمد خالد حمرا من الحرفيين القلائل الذين صمدوا في وجه المتغيّرات التي طالت صناعة الزوارق، تحدث إلى "النهار" عن رحلته مع المهنة وما آلت إليه قائلاً: "هي مهنة متوارثة، ورثتها عن والدي الذي ورثها عن جدي". وكما تناقله مع من عايشوا العصر الذهبي، فإن "مصانع المراكب والقوارب وحتى صيانة السفن الكبيرة، كانت منتشرة بكثرة في الميناء، وقد اشتهرت بها عائلات عدّة منها: آل كيّلو، آل عيد، آل قونيلي، آل حسين، آل خباز، آل حمرا".

واستطرد بقوله: "بدأت مزاولة المهنة في السابعة من عمري إلى جانب والدي. في البداية كنّا نصنع القوارب ومراكب الصيد المبطّنة ومراكب النزهة والتزلج والمراكب الشراعية والسياحية والتجارية، ثم طوّرنا الزوارق واللانشات التي تستعمل فيها المحركات إلى جانب أعمال الصيانة. كان يعمل مع والدي 30 صناعياً يحضرون الخشب من الشجر البلدي (التوت، الدلب، السرو، الكينا) لبناء الهيكل الداخلي، والسويدي وإيروكو والموهاغوني (الأخيران أفريقيان) لبناء الهيكل الخارجي. كنا نأتي بالشجر من الجبال ونعالجه بمياه البحر لإخراج الحشرات والبكتيريا منه، لأننا لا نملك أفراناً لسلق الخشب، وحتى الساعة ما زلنا نتبع الطرق ذاتها نظراً لعدم توفر ماكينات حديثة. في المرحلة التالية نعرّض الخشب للهواء لمدة شهرين كي ينشف، ثم ننشره ألواحاً، ونقوم بتطبيقها على "ماكيت" لمجسّم صغير، بعدها نقوم بتثبيت الألواح (التلويح) ثم إدخال حبال من القطن بين الألواح (القلفطة) لمنع تسرّب المياه، وبعدها يتم طلاء المركب بالمعجونة والدهان، ثم نركّب الدفة والمحرك. 

ونستعمل آلات عدّة منها: الفارة، الرابوخ، المنشار المبطوح للأشجار الثقيلة، الشلة لقص الخشب". 

وأشار إلى أن العمر الافتراضي للمركب يعود إلى حسن صناعته وإتقانه، "فقد يعيش 5 أو 65 سنة، شرط صيانته كل ستة أشهر، كما يعود إلى نوعية الخشب والموادّ المستعملة لمنع النشّ وطريقة القلفطة، والأهم ضمير الحرفيّ. وقد دخلت موادّ حديثة منها "بولارثان" وهي توضع فوق القلفاط بدل الزفت والفار والقطران، وهي مادّة صمغية وكوشوكية من لحاء الشجر تضاف إليها موادّ بتروكيمياوية تصبح صلبة كالصخر لاحقاً. كما يمكن استخدام الألياف الزجاجية لترميم المراكب المهترئة". 

وقال حمرا: "نحن في صراع مع مستوردي المراكب الجاهزة وهي تجارية لا تضاهي جودتها ما نصنعه، إذ دخل بعض المتطفلين من التجّار إلى هذه المهنة، ما وضعنا أمام منافسة كبيرة إن لجهة الأسعار أو النوعية. ولذلك نخشى على هذه المهنة العريقة من الاندثار بعدما تضاءل عدد العاملين فيها إلى ما يقلّ عن عدد أصابع اليد الواحدة".

 وأوضح: "مهنة صناعة المراكب تراجعت مع بدء الأحداث اللبنانية، وصار عمل بعضهم يقتصر على الترميم والصيانة". 

من ناحية أخرى، ذكر أحد المهتمين بصناعة القوارب "أن حسام قونيلي أسس منذ 1986 مشغلاً خاصاً (مصنع قونيلي البحري) لصناعة المراكب الخشبية، وفي 1990 أدخل إلى الميناء صناعة زوارق من "الفيبر" وذلك من أجل مواكبة التطوير والحداثة".  

ملحم خلف لـ"النهار": لفصل السلطات وحكومة متجانسة

إظهار التعليقات

يلفت موقع النهار الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

Digital solutions by WhiteBeard
Digital solutions by WhiteBeard