المياه كلّها في كليب إليسا بلون الغرق

12 تموز 2017 | 13:53

المصدر: "النهار"

إليسا وداني بسترس.

فوجئنا في كليب #إليسا الجديد لأغنيتها "عكس اللي شايفينها" للمخرجة أنجي جمّال بمقاربته حياة الراقصة اللبنانية داني بسترس، المرأة الأريستقراطية التي ثارت على تقاليد مجتمعها وتبعت حلمها وحبها لفنّ الرقص الشرقي غير آبهةٍ بنظرة مجتمع يقتات على التكاذب والرياء والنفاق ويرتوي بدماء المستضعفين والحقيقيين. بسترس التي فقدت ابنها الوحيد غرقاً في مسبح حوّل مياه عالمها كلّها بلون الغرق، كما يقول سيوران، لم تستطع أن تجد منفذاً للهواء ومتنفساً رغم محاولاتها الحثيثة للعوم والعودة إلى الحياة. 

استطاعت جمّال تجسيد كلمات الأغنية (أمير طعيمه) بقصة واقعية لفنانة تستحق الإضاءة عليها وإنصافها بعيداً من السائد والمكرور والمستهلك، آزرها لحن كلاسيكي رومنسي (وليد سعد) وصوت أنثوي حساس دافئ يُستخلص من رحيقه عسلٌ ويُقطّر من عنبه نبيذٌ. كاميرا جمّال نقية تُغري العين، كادراتُها مقطّعة جيداً بإضاءةٍ تتماهى مع روحية القصة، واضحٌ اعتناؤها بأدقّ التفاصيل عبر رسم البداية والتسلسل والخاتمة، غير غافلة أداء إليسا التمثيلي اللابأس به، أو بطلي العمل معها وحتى الألوان والأزياء.

يُحتسب للعمل تطرّقه إلى حياة فنانة، ولو سريعاً، تكريماً لها وتعريفاً بها لجيل قد يجهلها ورداً لبعض جميلٍ لما أعطته. والكليب تكاملٌ للأغنية وإضافة لها، وهو هادف في معالجته لنير مجتمع يستبدّ بأفراده فيحولهم عبيداً لتقاليده مستغلاً نفوساً ضعيفة خانعة تضطهد كل اختلاف وتمايز وتطحن كل روح ثائرة وحرّة.

داني بسترس التي انتحرت بإطلاق رصاصة في رأسها بعدما خذلها كل من حولها، عائلتها، أحباؤها، قدرها، مجتمعها، استسلمَت لحساسيتها الجميلة أمام أنياب ذئب مجتمع ضارٍ، فشكّل غيابها حضوراً مشعاً.

يقول وديع سعادة: "أجملنا الراحلون. أجملنا المنتحرون. الذين لم يريدوا شيئًا ولم يستأثر بهم شيء. الذين خطوا خطوةً واحدة في النهر كانت كافية لاكتشاف المياه"، كانت داني بسترس أكبر من هذه الحياة. فالأرض لم تعد تتّسع لخطواتها الراقصة المنهكة ولجسدها المقيّد، فكان لا بدّ لها من إنهاء هذه المعزوفة الكلاسيكية الحزينة، بيدها الوحيدة دائماً، كما اعتادت.

هذا الغرق المغرورق بالاحمرار الذي يرصده المشهد الأخير في الكليب ليس دماء الراقصة بل هو دماء الأحياء/ الأموات عبيد هذه الحياة/ القبر/الهاوية المتهاوية المذبوحة المخنوقة العمياء. أما الراقصة، فراشة الأحلام الوردية، فترسم بكل خطوةٍ من قدميها الحافيتين البيضاوين نجمةً على حلبة الغيوم، خلخالهما الهواء، ولا مكان في الصالة إلا لمقعد واحد حيث قلبها النابض: ابنها.

إليسا صوتك تراقُص قوس قزح حول نار قلوبنا!

charbel.abimansour@annahar.com.lb

Twitter: @abimansourc

إظهار التعليقات

يلفت موقع النهار الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

Digital solutions by WhiteBeard
Digital solutions by WhiteBeard