الجرائم بين المافيات والميليشيات والأحياء المحمية... الدولة هي المنقذ!

11 حزيران 2017 | 17:55

المصدر: "النهار"

من الوقفة التضامنية مع ضحايا السلاح المتفلت في ساحة الشهداء أمس (النهار)

يفتش اللبنانيون عن منقذ من الفوضى والتفلت واستباحة #السلاح في الأحياء والزواريب. وبالنسبة إلى كثر منهم، الدولة هي المنقذ في المقام الأخير، وإن كان الجمهور يتوزع بين هذه الطائفة أو تلك، والتي تحكم قواها وفق موازين غير متساوية، إلى حد أن هناك مناطق وأحياء وزورايب ومربعات كثيرة محمية لا تستطيع الأجهزة الأمنية دخولها، وهي تحوي الكثير من الزعران وتجار المخدرات ومافيات تستقوي بواقع سياسي قائم. وعلى هذا لا تقتصر #الجرائم التي تفتك باللبنانيين، على القتل فحسب، بل ان كل الممارسات، من السطو والخوات إلى فرض الهيمنة، تؤدي إلى جرائم يجري إخفاء منفذيها أو حمايتهم من دون أن تتمكن الدولة من فرض هيبتها وإحلال النظام العام والقانون.  

القتل ضد اللبنانيين

ليس قتل الشاب #روي_حاموش أخيراً إلا جزء من سلسلة جرائم تطال اللبنانيين الآمنين في بيوتهم وعلى الطرق. ارتفعت الأصوات بعد الجريمة طلباً لإعادة العمل بالإعدام، علماً أن الإعدام الذي كان متبعاً في لبنان لم يقلل من جرائم القتل، وإقراره مجدداً لم يكن ممكناً وفق مصادر أمنية لاعتبارات لها علاقة بالتركيب الطائفي اللبناني، فكيف يمكن مواجهة ما يجري في الأحياء الشبيهة بالزواريب التي تشهد دائماً إحراق محال وإطلاق نار يروعان الآمنين؟ في حين أن أحياء أخرى كثيرة مهيأة لتكون على طريقة إدارة ميليشيات الأحياء التي تقرر في شأنها، ولا تعطي للدولة وأجهزتها أي اعتبار.

يقول خبير في علم الاجتماع ان المرحلة التي عاشها لبنان بعد توقف الحرب عام 1990، كرّست ممارسات رعتها سلطة #الوصاية_السورية، والتي تمكنت من فرض تقاليد جديدة في العلاقات الاجتماعية والطائفية والسياسية في لبنان، فهي برأيه هشّمت النسيج الاجتماعي اللبناني وأسست لقواعد تمكنت فيها قوى من فرض سطوتها وسيطرتها على مقدرات البلد، وأخرى استقوت بالسلاح تحت عناوين مختلفة، لتتحول مناطق لبنانية بأكملها الى جزر خاصة عصية على الدولة وأجهزتها، وتقرر بشأنها السلطة القائمة. ومنذ ذلك الوقت يعيش البلد حالة من الفوضى وعدم قدرة الدولة على ضبط الأوضاع، على رغم انسحاب الجيش السوري عام 2005.

نشهد اليوم حالة من الاستعصاء على الدولة، فالأحياء التي تسمى مناطق بؤس على سبيل المثال، لا تشبه بأي حال الأحزمة التي نشأت في ضواحي بيروت والمدن قبل عام 1975. إذ ان الظروف التي أدت حينها إلى هجرة أبناء القرى كانت بحثاً عن العمل، لكنها أدت إلى نوع من الإستقرار. لذا لا يمكن القول أن أحياء مكتظة على تخوم بيروت وفي الضواحي وفي المدن الكبرى، تجمعات سكانية مهاجرة بحثاً عن عمل، في وقت تحوي كل الجنسيات الموجودة على الأراضي اللبنانية، من سوريين وفلسطينيين ومصريين وعراقيين وسودانيين وعاملين من دول آسيوية، إلى اللبنانيين الذين سكنوا المنطقة قبل سنوات طويلة وباتوا جزءاً منها، إلى كل أنواع المتاجرة بالمخدرات وفرض الخوات وغيرها من الممارسات الميليشيوية والعمل المافيوي الذي يستقوي بوقائع سياسية معينة.

ليس الخطر على اللبنانيين يكمن فقط في هذه التجمعات. صارت الميليشيات تتصرف بطريقة مباشرة، ظهرت سيطرتها من خلال معارك ومواجهات أخيراً، ولم تتمكن الأجهزة من ضبطها أو فرض النظام العام فيها، علماً أن مكافحة المخدرات مثلاً ليست مسألة أمنية، بل هي بمعالجة الأسباب التي جعلت البيئات في أحياء كثيرة تتصرف وكأنها خارج الدولة، ويمارس بعض أفرادها كل أنواع الجرائم، طالما لا يستطيع أحد محاسبتهم.

غياب الدولة

تغيب الدولة عن كثير من الأحياء، فها هي زخات الرصاص تطلق لسبب أو لآخر، وتروع الناس، علماً أن هناك مافيات تخضع للحماية تستغل قوتها للسيطرة وفرض الأمر الواقع. لذا ليس الأمر فقط مواجهة الزعران والمافيات التي تقرر ما تريد وترتكب في وسط مغطى سياسياً، حيث يستخدمهم البعض وفقاً لأجندة معينة وأحياناً باستنفار الغرائز والعصبيات. فمن يحقق بجرائم قتل تحصل وتصفية حسابات في مناطق فقيرة، حيث يهيمن البعض ويستطيع مواجهة القوى الأمنية. هنا يستحيل الوضع سيطرة لميليشيات لا نعرف أفرادها.

"حرب باردة"

لا أحد اليوم يريد أن يتذكر ممارسات الهيمنة بالسلاح منذ 2005، وهي التي كانت تحدث دائماً انقلاباً في موازين السياسة، وفي العلاقات الداخلية وفي هيمنة أطراف تذكر بأيام الوصاية على لبنان. ويشير الخبير الاجتماعي الى أن الفراغ في المؤسسات يزيد من التفلت والاستقواء بالقوى السياسية والطائفية والعشيرة وسلطات الأحياء، كما يحصل اليوم في أكثر من منطقة، من دون أن يستبعد الفوضى والتغييرات الاجتماعية التي أحدثها اللجوء السوري، وعدم قدرة الدولة على ضبطه. فها هم اللبنانيون، بين فراغ وآخر يستمرون بصراعاتهم على قاعدة الاصطفافات التي تستمر بـ"الحرب الأهلية الباردة"، لواقع لبناني مستمر، وهم عاجزون عن تنفيذ الحد الأدنى السياسي لاستعادة هيبة الدولة. ولم يستطع اللبنانيون لأسباب داخلية وخارجية، في انتاج قنوات توافقية حقيقية، ثابتة ومستمرة، وتشكل اساساً لبناء الدولة تعيد صناعة اتفاقات وتسويات بين كل المكونات، بل أن الفشل حكم كل إمكان لإنجاز توافق يؤدي الى الاستقرار والعبور الى مؤسسات الدولة، واشتقاق تسويات حقيقة، لا تسويات مصالح بين القوى السياسية والطائفية تجمع التناقضات وتؤدي الى ظهور المأزق عند كل مرحلة. لذا تتسلل الجرائم بين استمرار الحرب الباردة اللبنانية، فيحكم البلد، تارة بالفراغ، ثم بتسويات موقتة، من دون أن يؤدي ذلك الى انفجار أهلي.

كيف يمكن العبور الى الدولة، بينما نجد سرايا مسلحة، تارة للأمن الاجتماعي، وأخرى لحماية الأحياء. وماذا عن مناطق كثيرة لا يستطيع أحد حتى الدخول اليها، تحوي الكثير من الخارجين على القانون وتدور فيها بين فينة وأخرى اشتباكات مسلحة من دون أن يتمكن أحد من لجمها. حتى أن التبريرات للتجمعات المسلحة قد تستهدف آخرين أو تكون لغايات أخرى. فعودة الدولة وضبط الأمن يتمان بمعالجة الأسباب التي جعلت المناخات والبيئات من أحياء كثيرة تتصرف وكأنها خارج النظام.

يستمر القتل وتستباح مصالح الناس، في حين ان السلاح ينتشر في كل مكان، ولا أحد يستطيع وقف هذا التدهور والممارسات المحمية في مناخات سياسية. واقع بات مستعصياً، في مناخ تسأل القوى في الحكم والسلطة عن أسبابه. أما الحديث عن الإعدام، فسيظهر البعض ليطالب بالعفو العام!

ibrahim.haidar@annahar.com.lb

twitter: @ihaidar62

فاهي حديديان .... تنظيم قطاع الصاغة ضروري

إظهار التعليقات

يلفت موقع النهار الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

Digital solutions by WhiteBeard
Digital solutions by WhiteBeard