رمضان في طرابلس:"انقلاب" اجتماعي أبيض

27 نوار 2017 | 14:31

المصدر: "النهار"


يعتبر شهر الصوم عند المسلمين بمثابة "انقلاب" اجتماعي ابيض، فهو شهر الرحمة والتكافل الانساني بين شرائح المجتمع، فيه تلبس طرابلس أجمل حللها، وتتزين طرقاتها وبيوتها، وتعمّ السكينة بين اهلها. مع حلول هذا الشهر العظيم الذي يتميز دينياً عن سواه من اشهر السنة، فالصيام ركن من اركان الدين الاسلامي الخمسة، فيه نزل القرآن الكريم على النبي محمد (صلى الله عليه وسلم)، وفيه تكثر العبادات والطاعات واعمال الخير. 

وقد توارث أبناء طرابلس الكثير من العادات والتقاليد الرمضانية التي تعود الى العصرين المملوكي والعثماني، والتي صارت جزءاً من حياتهم اليومية، ولم تستطع الحداثة ان تغير فيها، وان تبدلت بعض المظاهر شكلاً دون ان تمس المضمون، ومن التقاليد والعادات الرمضانية الطرابلسية:

  "السيران"

"السّيران" هو من عادات استقبال الشهر المبارك وموعده اليوم الذي يسبق شهر رمضان، فلقد كان "السيران" في الماضي نزهة في البساتين المنتشرة في ضواحي المدينة والتي إكتسحها الباطون المسلح، ليحلّ مكان الليمون والزفير وغيرهما من الاشجار المثمرة، اما المكان الذي تقصده العائلات الطرابلسية فهو "المرجة" أو ضاحية مجدليا أو زيتون أبي سمراء ومنطقة برج رأس النهر...، حيث تمضي تلك العائلات يوماً كاملاً ويحضرون معهم المأكولات المعدّة في المنازل سلفا أو اللحم الذي يشوى خلال "السيران".

وقد تراجعت هذه "السيرانات" الطبيعية لتحل مكانها السهرات في المقاهي والمطاعم، وفق الميزانية التي يمكن ان يوفرها رب الأسرة.

 "ثبوت رمضان"

ثم يأتي انتظار اعلان ثبوت رؤية هلال شهر رمضان المبارك ليشكل المرحلة الثانية من الاستعداد لاستقبال الشهر المبارك، وقد كان وجهاء المدينة وأشرافها وأعيانها يلتقون في مجلس الوالي أو المفتي، ينتظرون ان تأتي البشارة من العلماء الأجلاء ورجال الثقة المشهود لهم بالسيرة الحسنة والشهود يتأكدون بالعين المجردة ولادة هلال رمضان، فيوعز المفتي باطلاق قذائف المدفع لإعلام الطرابلسيين ببدء الصيام في اليوم التالي.



  "مدفع رمضان"

أما مدفع رمضان فهو تقليد مملوكي كان يوضع في جوار قلعة طرابلس وقد حلّ بدلا منه مدفع من عيار 155ملم، تطلق منه سبع قذائف صوتية، بالإضافة الى اثنتين عند الإفطار والإمساك فجراً، بشكل يومي طيلة أيام رمضان.

 "المسحراتي"

ويأتي دور"المسحراتي" في الليلة ذاتها وعلى مدار ليالي الشهر، الذي يطوف في الشوارع والساحات متأبطاً طبله، مرحباً بالشهر الفضيل، قارعاً الطبول التي تضج معيدة الى الذاكرة شيئا من طفولة مفقودة، فيوقظ النائمين مطلقا لحنجرته العنان، مردداً تواشيح وأدعية واناشيد دينية رمضانية، يحضهم فيها على تناول السحور قبل أن يدركهم مدفع الامساك عن الطعام.

وكثيرا ما كان ينادي الوجهاء بأسمائهم، طمعاً بعيدية حين يزورهم في أواخر أيام الشهر الفضيل.


                                                   "المأكولات والحلويات"

وتبدأ بعد ذلك في الأيام التالية المأكولات الطرابلسية الدسمة التي يشتهر أبناء طرابلس بجودة طبخها واعدادها وطيب نكهتها مثل "الورق عنب والمحاشي والكبب واللحم بعجين وغيرها... كثير مما هو مقتبس من المطبخ التركي أو الشامي او الأوروبي.

أما الحلويات، فهي متنوعة وإن كان يغلب عليها طابع إستخدام القشدة، فهناك "الكلاج، الكربوج، البصمة، حلاوة الجبن، الكنافة، وزنود الست والشباكية التي تتراقص في أهرام تتساقط منها قطرات العسل، بالإضافة الى الحلويات التي تعدّ في البيوت كالمهلبية والرز بالحليب...".

وقبل ظهر كل يوم من هذا الشهر الفضيل، تدب الحركة في أسواق الاطعمة والخضراوات والفاكهة وتعج الافران ومواقع بائعي السوس والخروب والتمور والخبز الرمضاني بالناس.

    "السكبة"

ومن العادات الطرابلسية التي كادت أن تندثر ما كان يعرف بالـ "السكبة" وهي تبادل الجيران والأقارب لصحون تتضمن محتويات الطبخة الرئيسية، فيما كان الوجهاء والميسورون يفرشون "طبلية" أمام دورهم لإطعام الفقراء عند الإفطار.

وقد عمدت مؤخرا بعض الجمعيات المحلية والتابعة لبعض السياسيين الى إنشاء مطاعم خيرية مجانية توزع وجبات الطعام على المعوزين والعائلات الفقيرة قبل الإفطار.


                                                         "وقت الصلاة"

ويحين موعد صلاة العشاء، فيتوجه أبناء المدينة الى المساجد لتأدية صلاة التراويح وهي 20 ركعة، فطر المؤمنون على تأديتها، وتخصص أجنحة للنساء في تلك المساجد، ويعتبر العشر الأواخر من رمضان أكثر أيام الشهر تعبداً لله في المساجد، حيث يعتكف كثيرون لتلاوة القرآن وحضور حلقات التفسير، وهناك ما يسمى بـ"الختمية" أي قراءة القرآن بأكمله خلال الشهر، والليالي العشر الأخيرة مباركة ويتم خلالها إحياء ليلة القدر عشية 27 رمضان. ويعرض في آخر يوم جمعة من الشهر المبارك" الأثر الشريف"، وهو بعض من شعيرات النبي محمد(ص) داخل علبة يتبارك بها الجميع محتفظ بها في ركن خاص في المسجد المنصوري الكبير.

ويذكر أن السلطان عبد الحميد ولمناسبة ذكرى تسلمه الخلافة أرسل ثلاث علب الى ثلاث مدن اسلامية هي طرابلس وبيروت والقدس الشريف.

إن الأمر اللافت في رمضان المبارك هو تلك العودة الجماعية من أهالي طرابلس الحديثة الى عمق المدينة القديمة وحاراتها الشعبية، فيما يشبه الطقوس ويعبر عن الحنين الى الماضي.

 

                                             "السهرات الرمضانية"

أما السهرات الرمضانية الدافئة التي تجمع الشتات في البيوت والمطاعم والمقاهي، إضافة الى الخيم الرمضانية، حيث تضاء ليالي الفيحاء وتزدحم شوارعها، بعكس الشهور الاخرى، وتكثر المقاهي الشعبية في منطقة الحدادين، حيث يتحلق فيها أبناء طرابلس لتناول الكعك الطرابلسي بالسمسم والبرازق، إضافة الى النراجيل ولعب الورق.

ويشتهر مقهى موسى، الذي كان يتلو فيه الحكواتي سيرة عنترة والزير سالم وأبي زيد الهلالي، كما إشتهر مقهى آخر بروايات أخرى كان يتلوها الكراكيزي من خلال بطليه كريكوز وعيواظ وغالبا ما تحمل هذه الروايات نقدا إجتماعيا لاذعا.




جولة عشية حلول رمضان

الانهماك ظاهر على الجميع، والباعة في فرح فالبيع بدأ يزداد، والاقبال على الشراء يتصاعد. الباعة يعلنون أن الأسعار لا ترتفع، ولم ترتفع، بينما يقول المشترون أن الغلاء بدأ منذ اسبوع قبيل رمضان، والنسبة، بحسب السيدة فاطمة زريق التي التقتها "النهار" خلال جولة في سوق الخضار، ١٥-٢٠% عن الأيام العادية، و"لا نستغرب أن ترتفع اكثر مع تقادم الأيام".

وقالت: "جو رمضان يعم على الكل لكن اوضاع الناس سيئة وهم يشترون الضروري جدا، وبعض التجار يرفعون الاسعار وبخاصة المواد الغذائية قبل اسبوع من شهر رمضان، فانا عندي مطعم صغير لبيع الفول والحمص، فهل يعقل ان يرتفع سعر "شوال" الحمص عشرة آلاف"؟

ماجد الاحمد (حلويات الرز)، قال: "طوال ايام السنة نصنع الكيك والبيتي فور، وفقط في شهر رمضان نصنع حلويات عربية كالكربوج وزنود الست وكل انواع القشدة. رمضان شهر الخيرات والسوق يصبح كخلية نحل وكل شخص يشتري بحسب امكاناته والفقير يبحث عن الارخص واقل كمية ولكن رمضان كريم جعله الله خيرا على الجميع، فهو شهر رائع واجواؤه رائعة فهو يجمع الاهل والاحباب".

وليد القاضي، قال": يمر على الناس رمضان باوضاع فقر وتعتير، فكيف يستطيع رب العائلة الكبيرة ان يتحمل الاعباء، فانا عندي ملحمة ويأتي الي الناس يشترون أوقية ولا استطيع ان اخجلهم. لا احد يشعر بالناس. وبعض الناس ينتظرون المساعدات الغذائية من المحسنين، وان يشفق عليهم الميسورون".

نزيه اللبابيدي، قال: "في رمضان الخضراوات ترخص اسعارها لان الطقس حار وهنا في السوق يعج بالناس وتكثر الحركة، رمضان له ميزة ومعنى خاص. رمضان شهر عزيز علي فانا اصوم واصلي واعبد الله وآخذ اولادي معي الى الجامع ونصلي التراويح... وسهرات رمضان رائعة مع الاهل".

ايمن المصري، قال:"انا اعمل في فرن وفي رمضان يزيد الطلب على الكعك والمرقد والغريبة والمعمول و"الميوي" اي سمون رمضان، وسبحان الله الخير يزيد في هذا الشهر والله يرزق الفقراء ويزيد الخير".


إظهار التعليقات

يلفت موقع النهار الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

Digital solutions by WhiteBeard
Digital solutions by WhiteBeard