كانّ 70- "المغشوش": صوفيا كوبولا تغشّنا بفيلم فارغ!

24 أيار 2017 | 17:40

المصدر: "النهار"

إخراج سليم، كادرات كلاسيكية، تمثيل جيد، ولكن سؤال: ماذا تريد صوفيا كوبولا أن تقول في جديدها، "المغشوش"، الذي عُرض قبل قليل في مسابقة الدورة السبعين من #مهرجان_كانّ السينمائي؟ فهناك احتمال كبير أن يخرج أحدنا من العرض مع إحساس بحَيرة غير مبرّرة بعد تحمّل 94 دقيقة من المماطلة واللفّ والدوران لسرد حكاية لا تستحق كل هذا الزمن للمعالجة، والقفزات المستمرة بين الدال والمدلول. كوبولا تقدم فيلماً فارغاً يفتقد الروح، سيشكل ذريعة لأعدائها ليؤكدوا موقفهم التاريخي من أعمالها، وهو كان دائماً شديد السلبية. 

بدايةً، يبدو الفيلم ديموديه، خارج اهتمامات عصرنا. لصوفيا كل الحقّ لتقديم ما تريد وموضعة الحكاية في الفترة التي ترتاح لها، ولكن هنا لا حوار في العمل بين الأزمنة، زمن حوادث الفيلم (الحرب الأهلية الاميركية) وزمننا الحالي. يبقى النص في عزلة زمانية ومكانية. ثم إنّه لو قدمت كوبولا فيلماً كبيراً، لتم تجاهل عودتها غير المُجدية إلى الزمن القديم، ولكن أمام النتيجة التي خلص إليها العمل، يصبح السؤال مُلحاً.

الرواية التي اقتبستها كوبولا (تأليف توماس كالينان)، سبق أن أفلمها المخرج الأميركي دون سيغل في العام 1971، واضطلع وقتها كلينت إيستوود بالدور الذي أُسند هنا الى كولين فارل. ولكن، ثمة فارقاً ما بين النسختين، فنسخة سيغل أكثر خفة، ترتكز على الحدوتة وتتبنّى استيتيك أفلام الـ"ب". كان سيغل يعلم أن الحكاية لا تحتمل أكثر من ذلك. في حين أنّ كوبولا التي يقف على كتفها ظلّ الأب المهيب، أرادت القيام بخطوة إضافية، وهي في الحقيقة خطوة ناقصة لأنها تجنّبت كل الأشياء التي يمكن تصنيفها اليوم غير مقبولة على الشاشة.

يفتتح "المغشوش" بمشهد عثور على جندي في الغابة، يتبين أنّه كابورال جريح وساقه يحتاج إلى علاج. الفتاة التي تعثر عليه تحمله إلى مدرستها، وهي مدرسة متشددة لطالبات كاثوليكيات شبه عذراوات يُمضين حياتهن في هذا المكان الممل وهن يحاولن تعلم الفرنسية ومطالعة الإنجيل على ضوء الشموع. خمس طالبات فقط، وأستاذتان. الطهرانية الأميركية المقترنة بالدين المسيحي مُجسدة خير تجسيد في الفيلم، وهذا ربما الشيء الإيجابي الوحيد. وصول الكابورال، وهو ليس سوى مرتزق لا ناقة له ولا جمل في كلّ ما يحدث من صراع دموي على الأرض الاميركية، سيقلب الحياة الهادئة للطالبات رأساً على عقب. ولن يتطلب الكثير من الجهد كي تقع كل واحدة من الفتيات تحت سحر العسكري، بدءاً من الأستاذة التي تضطلع بدورها نيكول كيدمان. مرة أخرى، بعد "قتل الغزال المقدس"، نشاهد فيلماً عن دخيل يعرقل صفاء عيش مَن يدخل عليهم. ولسخرية القدر أنّ الفيلمين من بطولة كيدمان وفارل! 

على امتداد جزء كبير من الفيلم، سنتماهى مع الشخصيات: نضجر مع ضجرهم على أمل أن تأخد الحوادث انعطافة ما، مهما كانت. ثم، هناك محاولة كوبولا غير الموفقة (هي كتبت السيناريو أيضاً)، في رشّ الفيلم بزخّات دعابة. فرجل واحد ووحيد في مكان مخصص لفتيات يعشن حال انكار لحاجتهن إلى الجنس؟! تخيلوا كم الفكرة طريفة، لو كانت كوبولا أكثر حرية في التحرّك داخل النصّ الذي لا يفعل هنا إلا تقييدها. شيئاً فشيئاً، يتحوّل الفيلم نصاً نسوياً بخواتيم متوقعة، حيث تتداخل الأشياء ببعضها البعض: الغيرة والخيانة والحب وشعور الارتياح بوجود رجل في البيت، ليغدو الرجل ثمرة يصعب على الفتيات قضمها، وهو نفسه سيكون محل نزاع بين طرفين. هذا الجانب يبلغ ذروته مع بتر ساق العسكري الذي لا يُمكن إلا أن يُقرأ رمزياً. أياً يكن، نحن إزاء عنوان عابر في فيلموغرافيا صوفيا كوبولا التي توقع هنا عملاً ضعيفاً يفتقر للشخصية، يغادر البال ما إن نغادر الصالة.

إظهار التعليقات

يلفت موقع النهار الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

Digital solutions by WhiteBeard
Digital solutions by WhiteBeard