أبعد من الغالبية البرلمانية... هذا هو التحدي الحقيقي لماكرون

أسدلت الانتخابات الرئاسيّة الفرنسيّة ستارها الأخير على المسرح السياسي العام في ثاني أقوى اقتصاد ضمن دول الاتحاد الأوروبي. ولئن جاءت النتائج كما رغبت بها غالبية الفرنسيين، ومن ورائها معظم الغربيين، فقد طفت على سطح الأحداث السياسية في باريس أسئلة جديدة تتعلّق بقدرة الرئيس الفرنسي الجديد إيمانويل #ماكرون على رسم مستقبل مختلف لبلاده.

11 نوار 2017 | 14:38

هذه الأسئلة اكتسبت طابعاً شرعياً واضحاً لجملة من الأسباب أبرزها أنّ خيار الشعب الفرنسي لم يتركّز بشكل أساسي على البرامج بقدر ما سلك طريقاً مختصراً آخر للوصول إلى صناديق الاقتراع: الخوف. 

هذه المرّة لم يأتِ اللعب على هذا الوتر من اليمين المتطرّف وحده كما جرت العادة، وإنّما شاركه بها خصومه. بهذا المعنى، كان صحيحاً أنّ زعيمة الجبهة الوطنية مارين لوبن استغلّت الخوف من الإسلاميين المتطرّفين ونشرته، لكسب مزيد من الأصوات لصالحها، لكنّ حملة ماكرون إضافة إلى مروحة واسعة من الإعلام الفرنسي والغربي، ركّزتا على ضرورة محاربة "الفاشيّة" التي تجسّدها لوبن. وأشارت هذه الوسائل إلى أنّ الخيار كان واضحاً ولم يكن بحاجة إلى تفكير مليّ قبل الذهاب للتصويت. لقد كان التنافس بالنسبة إليها معركة العالميّة ضدّ الانطوائيّة والانفتاح ضدّ الكراهيّة.

قبل أيّام على المرحلة الثانية من الانتخابات، كتب الفيلسوف السلوفيني سلافوي جيجك مقال رأي في صحيفة "الإندبندنت" البريطانيّة أوضح فيه أنّه لم يكن أمام الفرنسيين خيار حقيقي كما تصوّره البعض. وانتقد الصحافة الغربية التي دعت إلى التصويت لصالح ماكرون على أساس أنّ هذا هو التفكير السليم عند "الاختيار بين النيوليبيرالية والنيوفاشيّة". لكنّه أكّد كاتباً: نعم يجسّد ماكرون الحالة المؤيدة لأوروبا لكن تلك التي"يغذّي فشلها شعبويّة لوبان"، أوروبا التي "تخدم النيوليبيرالية".

أفكار جيجك تودي إلى التساؤل حول جدوى التركيز على نوع معيّن من الأسئلة التي طرحت بعد فوز ماكرون، وهي جميعها تنصبّ على أداء الرئيس الجديد في الانتخابات التشريعيّة المقبلة. هل سيحوّل تيّاره إلى قاعدة انتخابيّة متمكّنة تمنحه الفوز بنصف أعضاء الجمعية الوطنيّة في انتخابات حزيران المقبل؟ هل سيضطر إلى تأليف حكومة مساكنة تَحدّ من قدرته على الحكم بأريحية وازنة؟ هذه الأسئلة، وعلى الرغم من أهميتها، ترتبط بالوضع الداخلي الفرنسي. لكن مشكلة قصر الإليزيه أنّه بات يواجه سلسلة تحديات أبرزها تلك الآتية من الاتحاد الأوروبي الذي ساهم في إمّا العجز عن حل وإمّا في مفاقمة مشاكل بعض دوله. في نفس الوقت، اضطرّ مواطنو دوله المقتدرة أن يموّلوا من خلال الضرائب أزمات مالية مختلفة عصفت ببعض دوله، واليونان تشكّل أحد هذه الأمثلة.

من هنا، تغذّي "نيوليبيراليّة" ماكرون إن صحّ التوصيف، مواقف لوبن، لكن ليس إلى الحدّ البعيد. فمشكلة الإسلاموفوبيا وتدفق اللاجئين إلى أوروبا والعجز عن إيجاد صيغة اندماجيّة، إضافة إلى العمليات الإرهابيّة المتنقّلة عوامل تساهم أيضاً في رفع شعبيّة لوبان خصوصاً واليمين المتطرف الأوروبي عموماً. وهذه مسألة تحتاج أيضاً إلى المقاربة من زاوية نقدية وأكاديميّة أكثر من مجرّد إطلاق الشعارات المهاجمة للكراهية بالرغم من حقيقة هذه الظاهرة.

العضو في حركة "فرنسا الأبية" والمحاضر في جامعة هومرتون البريطانية أوليفيه تونّو رأى في صحيفة "الغارديان" البريطانيّة أنّ ماكرون يعيش في "مأساة" أساسها إيمانه بنظام غير جدير بالثقة. فتونّو أكّد أنّه في رؤيته الاقتصادية يشدّد ماكرون على ضرورة الدفاع عن الليبيرالية الاقتصادية ضمن إطار ما يسمّيه الرئيس الجديد ب "الثورة الثقافية". ويفسّر كاتب المقال هذا الموضوع بكونه تغييباً للصراع الطبقي أو للاتحادات النقابيّة كما يشرح هذه النظرة بكونها تقصي أيّ دور للطبقات العمّاليّة. فبالنسبة إلى الأستاذ الجامعي، إنّ "وهم" الدفاع عن نظام ضاغط بشكل مركزي على المجتمعات التي تكاد تنحلّ تحت مسمّى "الواقعيّة" هو "حقاً صاعق".

هذه الرؤية تضيف مزيداً من الشكوك على جدوى طرح الأسئلة المتعلّقة بعدد المقاعد النيابية التي سيحصدها ماكرون لاحقاً من أصل 577 مقعداً في الجمعيّة الوطنيّة. فحتى ولو فاز بجميع هذه المقاعد من دون تغيير جدّي في النظام القائم وفي أولويات المعالجة (يضعها تونّو بالتسلسل الآتي: بيئة، وظائف لحلّ الأزمة البيئية، نظام اقتصادي الجديد كفيل بخلق هذه الوظائف)، فإنّ مشكلته مستمرّة إذا ما اعتمدنا هذا السياق من التحليل.

ماثيو لاينز، أستاذ جامعي ومؤسّس "ألترمايند" وهي شركة استشارات في مجال صياغة استراتيجيات للشركات الكبيرة والسياسات الحكومية، أبدى نظرة أكثر تفاؤلاً تجاه مستقبل فرنسا تحت قيادة ماكرون الذي رأى فيه فرصة لمحاربة الشعبويّة في أوروبا ككل. فهو رجل شاب وسطي وناجح كما روّج لإيجابيّات العولمة وقادر على إيجاد التحفيز المناسب لخلق وظائف جديدة ودعم ريادة الأعمال وتخفيض الضرائب. ووعد أيضاً بإعطاء المزيد من الحرية لنظام التعليم إضافة إلى تحرير الأسواق. لكنّ ماكرون مع ذلك، يحتاج إلى إنجازات ملموسة كي لا تصل لوبان إلى الرئاسة سنة 2022 بحسب رأيه.

عمليّاً، قد تكون الطروحات المقدّمة عن العولمة والدفاع عن الاتحاد الأوروبي والانفتاح على العالم، أقرب إلى الشعارات منها إلى البرامج الفعليّة، فالأولى قد تستخدم في سياق شدّ العصب الانتخابي. ومن الممكن أن يتمّ التخلّي عنها بالعودة إلى السياسة البيروقراطيّة المؤسساتيّة أكانت فرنسيّة أم أوروبيّة. طبعاً، لم يخفِ أبرز المسؤولين الأوروبيين دعمهم أو فرحهم بفوز ماكرون، مثل رئيس المفوّضيّة الأوروبيّة جان كلود يونكر والممثلة العليا للشؤون الخارجيّة والسياسية والأمنية للاتحاد الأوروبي فيديريكا موغيريني. لكن ماذا بعد هذا الفرح؟

الصحافيّة المتخصّصة بالشؤون الأوروبية سيلين شون كان لها موقف تجاه خطورة إعادة تبنّي السياسات التقليديّة نفسها، في مقالها ضمن صحيفة "لا كروا" الفرنسيّة تحت عنوان "على أوروبا أن تُقنِع وبسرعة". ففي الجولة الأولى صوّت ما يقارب 50% من الفرنسيين (مؤيدي ميلنشون ولوبان ونسب قليلة من باقي الأحزاب) ضدّ الخيار الأوروبي أو كانوا مشكّكين به بالحدّ الأدنى.

وقالت ناتالي براك وهي محاضرة بالعلوم السياسية في جامعة بروكسيل الحرّة في حديث للصحيفة نفسها أنّ اليمين المتطرف والشعبوية "لن يضمحلّا بضربة واحدة". ثمّ حذّرت من العودة إلى "الأعمال كالعادة" أو إلى "السياسة كالمعتاد". وسبق لمسؤولين أوروبيين أن طالبوا بخلق "مساحة أوروبية مشتركة" لإشراك المزيد من الفئات الاجتماعية الأوروبية في صناعة القرار ولو ضمن آليّات مقيّدة بعض الشيء. "إنّه الوقت المثالي للحديث عمّا هو اجتماعي" قال مصدر أوروبي لشون التي تؤكّد أنّ هذا المصطلح ليس جديداً بل يعود إلى سنة 2005.

إذاً في هذه الحالة، تصدّر أوروبا مشاكلها إلى فرنسا بطريقة أو بأخرى بدلاً من أن يكون الأمر معكوساً عبر إيجاد الاتحاد حلولاً مناسبة لدوله الأعضاء. وهذا يضع المزيد من الضغوط على ماكرون الذي يجب عليه مواجهة فكر تقليدي أوروبي مبني على سلطة المؤسسات المالية الكبرى داخل الاتحاد. رؤية جديدة مطلوبة، لعلّ جيجك نفسه كان أفضل من صاغ الأمر حول ضرورتها بأسلوب بسيط لكن واضح: "شكراً للّه تمّ إبعاد الخطر (خسارة لوبان)، أوروبا وديموقراطيتنا تمّ إنقاذهما لذا مكن العودة إلى نومنا الرأسمالي الليبيرالي مرّة أخرى". وشدّد على ضرورة تحويل عبارة "كفى كلاماً فلنتصرّف" إلى "كفى الضغط من أجل فعل أي شيء، فلنبدأ بالحديث جدّيّاً، اي بالتفكير".


يلفت موقع النهار الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

Website by WhiteBeard

توفر خدمة Premium من النهار للمشتركين:

  • - قراءة مقالات نسخة جريدة النهار الرقمية
  • - قراءة التحليلات والملفات الخاصة في الموقع
  • - تصفح نسخة الصحيفة بصيغة PDF
  • - الإستفادة من محتوى جميع مواد موقع النهار

إختر نظام الدفع الذي يناسبك

  • 1$
  • 33$
  • 60$

الدفع نقدًا متوفر فقط للإشتراك السنوي

إشترك الآن

الدخول عبر الفيسبوك

أو


الخطوة السابقة

العرض التي إخترته

سيتم تجديد إشتراكك تلقائيًا عند إنتهاء الفترة التي إخترتها.

 

وسيلة الدفع

إختر وسيلة الدفع التي تناسبك:

ابحث عن حسابك

يرجى إدخال بريدك الإلكتروني