موقف "بيروت مدينتي" من الخيارات المتاحة لإدارة النفايات: هذه هي حلولنا العلمية الحميدة للمشكلة الوطنية العنيدة

3 أيار 2017 | 17:05

تطرح هذه الورقة موقف "بيروت مدينتي" من قضية إدارة النفايات الصلبة في بيروت ولبنان بناءً على أبحاث أجراها أخيراً أساتذة وباحثون في كل من الجامعة الأميركية في بيروت والجامعة اللبنانية، وبناءً على مروحة واسعة من الاستشارات قامت بها "بيروت مدينتي" خلال الأشهر السبعة الماضية مع مسؤولين رسميين، وخبراء مستقلين، وأطراف أجانب معنيين، وممثلين عن القطاع الخاص، إضافة إلى العديد من المنظمات غير الحكومية. 

أ. الموقف من المحارق (أو ما يسمّى "تحويل النفايات إلى طاقة")

تعتبر "بيروت مدينتي" أنّ اعتماد المحارق كوسيلة للتخلص من النفايات في لبنان هو خيار مكلف مالياً وخطير بيئياً وصحياً، لما يتضمنّه من تعقيد تقني من جهة، وحاجة لاستثمار ضخم في نظام الحماية البيئية والصحية من جهة أخرى، وهذا ما يصعب توفيره في ظلّ غياب الإطار القانوني المناسب لهذا الطرح والبنى التحتية الناظمة في البلد.

ان خيار اعتماد المحارق لا ينسجم مع طبيعة النفايات في لبنان التي تتكوّن من مواد عضوية أو من مواد قابلة للتدوير في غالبها، ما يجعل فقط نحو 11 إلى 15 في المئة من أصل النفايات البلدية الصلبة مناسبة للحرق. يعني ذلك أنّ المحارق يمكن أن تتخلّص فقط من 600 طن في اليوم في لبنان كلّه، على عكس الأطروحات التي تشير إلى الحاجة لمحارق تعالج ما بين 300 طن في اليوم في بيروت و2000 طن في اليوم في بيروت وجبل لبنان. الا إذا كان المشروع هو الحرق من دون فرز المواد العضوية، مما يستدعي إضافة كميّات كبيرة من الفيول لحرق النفايات لتشغيل المحارق ويزيد تالياً الكلفة المادية ومعدلات التلوث.

كما ان حرق مواد قابلة لإعادة التدوير يعني التخلي عن سوق تقدَّر بملايين الدولارات، وإضاعة المجال لخلق فرص عمل جديدة في لبنان، وخصوصاً أنّ الاستثمار في صناعة إعادة التدوير يؤمّن فرص عمل طويلة المدى أكثر بمئات المرات من المحارق. بينما يشجع اختيار المحارق السلطات المحلية على التخلص من المواد القابلة للتدوير عوض الاستثمار في ممارسات بيئية سليمة توّفر الطاقة وتولّد فرص العمل.

وعلى رغم أن المحارق ظهرت كحل جذاب، إذ قُدّمت كبديل من الحاجة للمطامر، إلا أنها في الواقع تتطلب جهداً ضخماً للتحكم في البقايا الخطرة والسامة التي تنتجها عملية الحرق، التي بدورها تحتاج إلى مطامر. الحقيقة أنّ المحارق لن تلغي الحاجة الى انشاء مطامر، بل تشترط انشاء مطامر للنفايات الخطرة، وليس مطامر صحية عادية. فالمواد المسممة المنبعثة (الزئبق، الزرنيخ، الديوكسينات، الرماد السام...) ورماد القاع، بعد معالجتها وتصليبها، تتطلب مطامر بمواصفات متخصصة، ولبنان لا يملك الكفاءات ولا المعدات العالية الجودة ولا المختبرات اللازمة لقياس معالجة البقايا الخطيرة من المحارق ومراقبتها.

وفي حال وضع محرقة في منطقة ذات كثافة سكانية أو ذات نشاط مديني كالكرنتينا، أو في أي مكان آخر في ضواحي بيروت كالشويفات مثلاً، فستكون أخطار انتشار الهواء السام عالية جداً وستنتقل الغازات المنبعثة بسرعة لتزيد على المعدلّات العالية حالياً لتلوث الهواء في لبنان والتي هي أصلاً أعلى بنسبة 100%-200% من معايير منظمة الصحة العالمية، وتضرّ بصحة الآلاف من العائلات وتتسبب بمشكلات صحية خطيرة جدّاً كالأمراض المسرطنة.

يذكر ان لبنان يتقدم على كل بلدان منطقة الشرق الاوسط بالنسبة إلى معدلات الإصابة بأمراض السرطان.

ب. طرح "بيروت مدينتي" لنظام فاعل لإدارة النفايات

تؤمن "بيروت مدينتي" بأنّ الدور الأساسي للسلطات التنفيذية والسلطات المنتخبة كافة هو تأمين الحلول المستدامة كجزء من وظيفتها العامة، وخصوصاً أن هذه السلطات تمتلك كامل الموارد البشرية والمالية للقيام بالدراسات والتخطيط والتنفيذ. وعليه، نرى أن أي حل فعال ومستدام بيئياً لأزمة النفايات الصلبة يجب على الأقل أن يلاقي المعايير أدناه التي على أساسها يمكننا أن نقيّم ونقارن مختلف الخيارات المقترحة:

- معيار الأثر البيئي: ضرر بيئي محدود

- معيار استخدام الأرض: استعمال محدود للمساحات

- معيار الأثر الاجتماعي: أن تتقبّل غالبيةالسكان الحلول المقترحة

- معيار الجدوى او الاستمرارية المالية: كلفة متدنية للاستثمار والتشغيل مع إمكان انتاج ربح

- معيار المستوى التقني: يجب أن يكون الحل بسيطاً ومتنوعاً

- معيار الخبرات المحلية: أن تكون الخبرات المحتاجة متاحة محليا

- معيار التعقيد المؤسساتي: ألا يحتاج الحل إلى تعديلات تشريعية كبيرة

تصنيف معياري لمختلف مشاريع إدارة النفايات

المصدر: الدكتور جاد شعبان، الجامعة الأميركية في بيروت، لجنة دراسة الغازات الجوية السامة.

بناءً على المعايير أعلاه، يمكننا الاستنتاج أنّ اعتماد المحارق لمعالجة النفايات في وضع لبنان هو اكثر الخيارات ضرراً وخطراً، مقارنة مثلاً بالمعالجة البيولوجية والميكانيكية اللاهوائية، وهي تقنيات لإدارة النفايات تعتمد أساساً على الفرز وإعادة التدوير وقد تم تطبيقها مسبقاً في لبنان بنتائج واعدة وآثارها البيئية والاجتماعية السلبية محدودة.

لذلك تعتبر "بيروت مدينتي" ان حل مشكلة النفايات في لبنان يكمن في خطة شاملة تبدأ بالتخفيف من الاستهلاك مع الاعتماد الجديّ على إعادة التدوير والمعالجة البيولوجية والميكانيكية اللاهوائية ولا يرتكز على اعتماد محارق للتخلص من كامل حجم النفايات، وخصوصاً مع غياب الأطر المؤسساتية والتشريعية لضبط عملها.

محاكاة لانتشار الهواء السام في حال انشاء محرقة في الكرنتينا (بيروت)

المصدر: الدكتور عصام لقيس، لجنة الجامعة الأميركية في بيروت لدراسة الغازات الجوية السامة. خريطة تظهر منطقة بيروت الكبرى وانتشار الملوثات في سمائها.

المطران عوده: عندما تنعدم الثقة بين الشعب والسلطة التغيير واجب

إظهار التعليقات

يلفت موقع النهار الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

Digital solutions by WhiteBeard
Digital solutions by WhiteBeard