"ملك ملوك الجان" أندره بروتون يردّ افتراضياً على أسئلة الشاعر أسعد الجبوري

7 نيسان 2017 | 13:17

المصدر: "النهار"

ضمن مسلسل الحوارات الافتراضية مع الشاعرات والشعراء الراحلين تحت عنوان "بريد السماء الافتراضي"، يأتي هذا الحوار الافتراضي مع "ملك ملوك الجان" الشاعر السوريالي الراحل أندره بروتون. كان يجلس على سطح سحابة، وهو يتناول سجقاً مُحمّراً مع البراندي، وإلى جانبه لوحة "إصرار الذاكرة" لسلفادور دالي بساعاتها الذائبة كأوراق الفجل. صورته الهادئة، تدل على صفاء في الوجه والخيال. إلا أنه ما بين الفينة والأخرى، يشعل غليونه، فتخرج منه أبخرةٌ ولقالق وأصواتٌ لانفجارات بعيدة.

رحّب مبتسماً وهو يُبعد الغليون عن شفتيه، فيما أسرعتْ خادمته الخلاسية جيو جيو من طاولتنا الخشبية، لتوزع الكؤوس مترعةً بالمشروبات الروحية، لتغادر بعدها المكان بثياب السباحة الفضائية، فيما بقيت عينا الشاعر تشيعانها برقة وشهوة ظاهرة. ربما لذلك لم ينتظر طويلاً على حرائقه الباطنية، فأخرج من جيب سترته العسكرية خريطةً، وأشار بإصبعه إلى باريس. آنذاك أدركنا أن الشاعر السوريالي فائضٌ بالحنين إلى مدينته القديمة تلك. وأن لا رحمة تُرتجى من وراء رياح النوستالجيا التي كان يتقلّب بين طبقاتها في ذلك النهار السماوي الشبيه بحلوى اللوز المطحون بنكهة القرفة. ومن أجل أن نكسر احتكار الحنين لرأس بروتون سألناه:

* يبدو أنك تحلم بالعودة لباريس. هل سبق أن تعرّفتَ إلى كلب برفقة سيدة تحت برج إيفل؟
ـــ نعم. وكان ذلك الكلب سؤالاً ضالاً مثل هذه اللحظة التي تجري عقاربُها بيني وبينك في هذا المكان .
* هل تظنّ أن في السؤال نباحاً ملوّناً يؤثر في السمع أو في الرؤية؟
ـــ أبداً. فالنباحُ من عائلة، والكلبُ من أخرى. لكنهما ينحدران من نسل واحد كما أعتقد، هو نسل الصرخات المضمرة داخل اللغة.
* هل كنت محبّاً للغة من باب الهيام الضروري بأدواتها، أم أنتَ تدخلها فارساً من جماعة الدون كيشوت، لتخرج من الباب الخلفي الخاص بمطبخ التعابير اللاواعية، وكلّ رأسك معبأ بالثرثرة وحدها؟
- هناك ضرائب جمَّة سبق أن فرضَتها علينا حيواناتُ القواميس الضخمة. لذلك قررتُ القفز من سطح اللغة إلى هاوية التجريد اللاواعي، ليكون حجر الزاوية لرأس متحرر من القوالب التي تعمل بمحرك العقل وفم القيم وأنياب الأخلاق.
* هل كان ذلك هو الدافع الأول لدراسة الطب، أن تتخلص من القوالب والصناديق السود والعيش في العزلة الضيقة كقن الدجاج؟
- أنا أدرك أن الأدرينالين الأعظم، مادة موجودة بالأصل في جسم اللغة، وليست في مكان آخر.
* تعلمتَ ذلك من التحليل النفسي للسيد سيغموند فرويد؟
- وما المانع؟ كان فرويد شيخ الشعر وعصبه المتراخي في الغابات التي يقضي جلّ الشعراء أوقاتهم فيها، وهم يحاكون حيواناتهم المضطجعة داخل كل واحد منهم.
* وكنتَ متحمساً لتلك المحاكاة أنتَ. نعرف ذلك من خلال زياراتك للدكتور فرويد في النمسا. ولكن من هو حيوانكَ بالضبط؟
- لديّ حيوانات صديقة وأخرى متوحشة، وثالثة أحاول خلقها بالتصاميم التي أعمل عليها. حيوانات عارية وأخرى بثياب، وحيوانات على قدرٍ كافٍ بمعرفة الصيد على سطوح القوارب والمباني الشاهقة.
* منذ متى بدأت تلك الحيوانات بمرافقتك؟
- لا أتذكر وقتاً محدداً لتلك العلاقات اللغوية، لكنها أرست بداخلي ناراً، ظلّت كامنةً إلى ما بعد السقوط في مرحلة النساء.
* وماذا حدث لكَ بعد ذلك السقوط؟
- أصبحتُ في حالٍ من السموّ الجنوني الغائم، وخارج القطيع.



* وبعد السقطة، هل عشتَ مع النسوة بأنظمة القلب أم تحت طائلة الجنس؟
- من وقت السقوط في الحبّ، وأنا أشعر بأنني تعرَّضتُ للكمةٍ طارتْ على وجهي من قبضة مصارعٍ غير ودّي. كان حريّاً بي أن أنام على سطح عربة خشبية، وأدع جسدي يُكمل رحلته إلى بلاد فارغة من صراخ الأم والأب والروح القدس معاً. لكن أن تجد ذلك متوفراً على الأرض، فهو أمر مستحيل.
* كلماتكَ هذه، كأنها لقطات نازفة تخرج من بلعوم كاميرا ديجيتال. لنفترض ذلك جدلاً، فهل سبق لكَ أن أخذتَ في مرأب القصيدة لقطةَ "سيلفي" مع حلزونة باللمبة الزرقاء؟
- ليس بعد. فقد كنتُ مشغوفاً بمراقبة العطش، وهو يتدلّى من أفواه الحنفيات المهملة على امتداد حقول المارتديلا المريضة بالسباخ.
* هل أشعلت الحربُ العالمية الأولى النارَ في عقلكَ ليصبح دليلاً سياحياً للسورياليين؟
- هذا صحيح. فعندما حاول تزارا الانتقام من الحرب بالثورة الدادائية داخل باريس، أصبحنا جوقة مشاكسين، يشنّون هجوماً تدميرياً على اللغة وجميع مفاصل الثقافة والآداب بكل غطرسة .
* لكن التجربة التدميرية التي اجترحها جورج ريبمون ديسانيو أحد الباعثين الرئيسيين للحركة مع تريستان تزارا وهانس أرب ومن بعدهم فرنسيس بيكابيا وأندره بروتون وأراغون وفيليب سوبو وآخرون، لتحرير العقل من القوانين والمذاهب والشروط الفكرية، سرعان ما توسعت وتوقفت، لتعلن أنت الانسحاب وتأسيس حركة السوريالية. لماذا خذلتَ تزارا أو لماذا خنتَه؟
- لأن رقعة فوضى دادا أصبحت أكبر من رقعة الشعر من أول بيان لها يعلن فيه: "لا رسامين لا أدباء لا موسيقيين لا نحاتين لا أدياناً لا جمهوريين لا ملكيين لا امبرياليين لا فوضويين لا اشتراكيين لا بولشفيك لا سياسيين... لا جيوشاً لا شرطة لا أوطاناً. أخيراً كفى من جميع هذه السخافات. ما من شيء. ما من شيء. لا شيء. لا شيء. لا شيء". الحركة ببيانها، دمرت نفسها من الاستمرار والديمومة من دون تدخل من أحد!
* من أجل ذلك فقط، انفضضتَ بالخيانة عن شريكك الدادائي، أم لأن عامل العنصرية تحرّكَ في دمك ضد مبتكر الحركة تريستان تزارا باعتباره روماني الجنسية. وربما كان ليحدث ذلك مع رموز أخرى كالشاعر المصري جورج حنين أحد ممثلي السوريالية العالمية؟
- بعض الأصوات كانت غاضبة ومستاءة من عملية قتل الدادائية. ولم يكن أمامي إلا أن أطلق النار على حصان تزارا أو سواه من الشعراء والفنانين، ليس لأنه روماني، بل لأن عربة الحصان تحطمت، ولم يعد حيوانُها يستطيع قيادة نفسه والخروج من تحت الحطام.
* حطام البراءة الميكانيكية التي تم استبدالها بماكينة التداعيّات الحرّة؟
- كنتُ أنظر إلى الدادائية كقصيدة بشَعر مستعار. ذلك شكّل لي نوعاً من الفزع الداخلي، مما استدعاني إلى مقاومته بجيوش من الأحلام التي لا ترتبط بأرض، وليست متعلقة بجذور ما.
* هل كان ذلك بسبب كرهك لكتابة الشِعر بالمحاريث على سكك النفس الآدمية مثلاً؟
- لقد تسببت الحرب العالمية الأولى بتورم دادا إلى حد لم تعد اللغة تستطيع تحمل أدواته، فانفجرت بهم جميعاً. لكنني نجوت، لأنني فَكَكْتُ ارتباطي بالدادائية قبل انفجارها.
* هل جاءت السوريالية بمثابة جراحة تجميلية لأفكار تزارا الخاصة بالشعر، ومن أجل ذلك حدث الانقلاب؟
- الشعراء سناجب على شجرة واحدة. كل من يجد في جسمه الطاقةَ على القفز من غصن إلى آخر، يفعل ذلك بدافع المتعة، وليس بهدف البلاغة التي لا تورث القارئ إلا حكمة التدرج بالمشي على أرض من الجمر والرماد.
* ألذلك يهرب السورياليون بعيداً من مناطق التوتر العالي، ليغرقوا الورق بمياه العدم الباردة، معطلين في أجسادهم كل رغبة في الاحتكاك بالصخر من أجل توليد الكهرباء؟
- هذا سؤالٌ هجومي، لكنه لا يعطي فكرةً عن تخلي السوريالي عن الفكري الثوري التمردي على أنظمة العبودية العسكرية للعالم. كنا ثواراً بالجينز والمايوهات والمعاطف وبالملابس الداخلية التي أسست لنظرية الدمج الفني بثورات تعمل على توظيف الجماليات في الرؤوس بدلاً من تعبئتها بالزجاجات الفارغة وبقلوب الأشباح.
* يقول ألن جوفروا: "أقرأوا قصائد بروتون وستقرأون الزمان والمكان، الأنفاس والفكر في انقطاعهم وتواصلهم، وسترون منعطفات الزمن الذهني، تلك التي بدونها تكون الحياة أكثر من درب قصير لا شأن له. السوريالية وهي تمهيد للفردية الثورية، لا يمكنها أن تكون مدرسة أو مذهباً أو شكلاً من أشكال التعبير الثقافي". ماذا ترى في هذا؟
- في هذه الأفكار ألق فسفوري لا يمكن أن يكون عابراً، لأنه يمنح القارئ فكرةً شبه واضحة عن عمل السوريالية، وكيف تدلّك الثورات لصالح لغتها المرفقة ببرودة الدم. لكن هذا يعني أن لا تكون السوريالية بمثابة خادمة تقوم بأعمال تنظيف صحون الثورة، إنما هي المنيّ الذي ينزل برحم الثورة، ليخلق أجنّةً تحلّق بالكلمات وتصنع منها نسوراً تطير، وهي تحمل الجبال من رقابها بالمناقير الحادّة .
* لقد ذهبت السوريالية بعيداً في مجرى عقل ليون تروتسكي. ما الذي حصل بينكَ وبين ليون بالضبط؟
- في العام 1938 كتبنا أنا وليون تروتسكي بيان "نحو فن ثوري حر" بمتعة عالية، وكان وقتها مؤسس الحركة من أجل الأممية الرابعة (1933-1938) ومؤسس الأممية الرابعة (1938). هذا كان كل شيء .

* لكن تروتسكي امتنع عن توقيع البيان! لماذا حدث ذلك؟
- كان هدفي من تبجيل تروتسكي وإغراقه بالمدائح جزءاً من عمل يقضي بكسب شرعية السياسي لصالح المشروع السوريالي. وحصلنا منه على ذلك التفويض الذي يمنح الفن صلاحيات التحرر من أنظمة الحكم. لكن تروتسكي فضّل للسوريالية أن تكون نظرية خلف حجاب إيديولوجي. وهو في الوقت نفسه، أراد أن يجَنّب الماركسية الوقوع في براثن السوريالية وطاقاتها الفاعلة بموجب محركات التخريب للبنى السلفية في المجتمعات الأوروبية، كي لا تفقد الأخيرةُ بريقها الشعبي. فالسياسيون يتعاملون مع الأدب كما تتعامل الأرانب مع الجزر.
* هل سبق أن أكلتَ ورقاً؟
- أكلتُ حتى صرتُ كتباً تملأها الديناصوراتُ والأسهمُ النارية ورياحُ الضلالة .
* في أي زاوية من جسمكَ يقع صندوق الأغاني؟
- انعطِفْ نحو اليمين، تجد محركات العواطف وهي تتزامن مع تبويق الاستيقاظ الليلي مع كائنات الربّ التي تحرس كؤوس الساهرين باللهفة والحنين المشوب بالآلام .
* هل يعاني عقلُكَ من وسْواس ثابت؟
- لم أبتكر طريقةً للتخلص من الوساوس. في بداياتي، حاولتُ خياطة ثياب من حديد لها، وتأسفت على ذلك الفعل. رأسٌ بلا وساوس، لا يدل على أنكَ شاعر متيقظ في مرافعات أشباحكَ المتطايرة فوق حقول التأليف.
* هل سبق لكَ أن قارنتَ الكلمات بالنمل الأبيض؟
- عادةً ما أقضي في الشتاء وقتاً مع تلك المخلوقات البيضاء على ظهر قارب. كنا نكتب القسم الأخير من كتاب الدين الأصفر. لكنها طالما قَلَبَتِ القاربَ في مياه اللغة، لنعود إلى طفولة الكلمات كأحرفٍ صلدة من الزجاج.


* وماذا فعلتَ بـ"المسدس ذي الشعر الأبيض"؟
- انه مجرد محاولة لالتقاط الخيالي وجعله تهديداً يواجهه الجميع .
* سأفترض أنكَ لست الشاعر بروتون. ماذا تعتقد أن تكون في تلك اللحظة؟
- سأوافق على أن أكون طاحونة هوائية أمام سجن تملأه الزرافات بخطاباتها على مضض.
* لِمَ تختار تلك الآلة بالضبط: الطواحين؟!
- لأنها تمنع العقل من الصدأ. الدوران على وقع موسيقى الريح، يجعلني كومةَ طيورٍ تصنع من أجنحتها بودرةً للحواسّ.
* هل سبقَ لكَ أن أعددتَ وجبة من اللحوم لحفظها في علب القصائد؟
ـــ أجل. فكلما وجدت كلمةً مقَوّسةَ الساقين، سرعان ما أنسقها في سجلات مائدة اللغة، لتأخذ طريقها إلى إحدى علب القصائد. ففي تلك العلب تنتظر الديدان والذئاب الوجبات السريعة.
* ومن أين تأتي تلك الديدان وتلك الذئاب في القصائد؟ وما هو عملها بالضبط؟
- لا بد أن تعرف أولاً، أن تلك المخلوقات تتكوّن من منيّ اللغة. والقصيدة التي بلا وحوش، إنما هي صالون فارغ من الأثاث. أما عملها، فيختصّ بتطهير الشعر من المقاصد الخيرية التي عادة ما يدرجها النقادُ تحت حساب الضرورة .
* للعبة الكريكيت مضربٌ للكرة. أنتَ تعرف ذلك جيداً. لكن السؤال هل يوجد ما يماثلها في القصيدة التي تكتبها؟
- لا يمكن ضرب القصيدة. فأنت أن وجدت في الشعر أغلاطاً فاضحة، يمكنكَ القيام بدفعها نحو الهاوية، فتتخلص منها. أنا كنت أطلقُ قصائدي في البراري حتى تختمر بالشمس، وتصبح كائنات هلامية قليلة الأمراض.
* لماذا اختفيت عن جماعتك، وتركت السوريالية على الرصيف من دون راعٍ؟
- أنتَ فعلت أمرين مشينين: فمرّةً خنت الدادائية، ومرّةً خنت السوريالية كذلك...
* هل وجدت أن مرضاً ما بدأ ينهش في جثة السوريالية، فاضطررت للاختباء من الفشل؟
- السوريالية التي اقتحمها عشراتُ الألوف من الشعراء حول العالم، جعلت من الكتابة الآلية حفلات لتقشير البصل في غرف ضيقة ومظلمة. لذلك وجدت أن الوعي - وعلى الرغم من آلامه وصوره السهلة- أفضل للسوريالية من الكوما الدماغية، ولو بشكل نسبي.
* ألا تعتقد بأن الشعر السوريالي شهوةٌ دائمةٌ، أكثر من أن يكون نظرية تحتضن البيض الإلهي، لتفريخ مفردات اللغة الصادمة للكسل والثرثرة. هل حال الكلمات عندك لا تنقطع عن تلك المراهقة البيولوجية؟
- هذا تعبير رائع. أن تُواصلَ الكلماتُ مراهقتها البيولوجية كجسد ثانٍ بعد جسم الشاعر. في رأيي، الشعر غير المحموم بغرام العواصف التي تنقل الصحارى والبحار والأرواح والطيور من مكان إلى آخر، هو إقليمٌ ميتٌ من أقاليم اللغة.
* لكن ذلك قد يكون مرتبطاً بالوعي الذي تجاهر السوريالية بالوقف ضده...
- عندما نفتح ممراً آمناً للأفكار الممكن إنباتها في الشعر، سرعان ما يتحرك الموجُ في الدماغ مداً وجزراً، ليحول دون تجفيف ينابيع الوعي في القصائد. كنتُ أدرك ضرورة أن يكتب الشعراء تأملاتهم على ظهور القوارب المطاطية وهي تشقّ سطوح المياه، كي لا تُمنح الفرصة للشاعر بتكوين اللغو البلاغي الذي عادة ما يدافع عن عفة النص وضرورة خلوّه من البكتيريا الفلسفية الطاعنة في السنّ.
* هل وصلت السورياليةُ إلى السموات؟ أقصد هل وجدتَ آثاراً لها بعد وصولها جثماناً إلى هنا؟
- يبدو أن كلّ شيء مرتبٌ بشكل سوريالي هنا، وعلى قدر عظيم من التجلي والتصميم والإبهار. كأننا نجحنا في تسريب المزيد من الغيوم السوريالية، لتصل إلى هنا، وتنجب المخلوقات التي سبق أن صممناها يوم كنا على الأرض هناك.
* لماذا؟ هل لأنكَ تعتقد بأن السوريالية آخر الديانات التي تركتها على الأرض؟
- بالضبط. كانت آخر الديانات التي لديها فرق إطفائية لحرائق العقل. وعندها الكواسرُ لتحرير البشر من الآلام والمدافع والضيق اللغوي وعدم غضّ النظر عن الدمار الذي يلحق بالحديقة النفسية للإنسان. في عبارة أدق: لقد كان الله معنا دنيويّاً وفردوسياً كذلك.
* وجهنم؟! كم هي حصة السورياليين من نارها؟
- جهنم تَصَرّفٌ بلاغي للتهويل ليس إلا. وقد ناضل السورياليون عبر التاريخ على جعلها دعابةً لغوية أكثر مما تكون مرتبطة بالواقع. بل وأراد بعض أعضاء الحركة قضاء أيام من إجازاتهم الفصلية فيها.

 

* هل أنتَ مُفْرطٌ في ميولكَ للكحول؟
- عندما تخوننا الكلمات وتتدهور صحة اللغة، لا سبيل إلا للكحول. فبتلك المادة يرتقي السحرُ بالشعر إلى أعالي المراتب.
* وماذا يفعل سائل الكحول؟ هل يقوم على نظرية حيويّة تختص بتدليك الكلمات مثلاً؟
- هو هكذا بالضبط. روح الخمر هذا يجعل تدفق الدم في أوردة الحروف تدفقاً مثالياً، بحيث يجرف بطريقة أطيان الكولسترول والسفن الجانحة وكل حطام يمثل علةً يمكن أن تعطل إنتاج المؤلف وخصوصياته، وتعمل على سدّ مجرى الخيال.
* ان غاية الشعر في رأي بودلير ليست الغوص "في قعر اللامتناهي للعثور على الجديد، بل في قعر المتناهي للعثور فيه على ما لا ينضب".
- النقطة اللامتناهية في الشعر، صورة تحاول توليد صور أخرى بشكل لا متناه. كذلك هو الشاعر الذي قال عنه ماكس جاكوب: "العالم في الإنسان، هذا هو الشاعر الحديث". إنه التدفق الصوري التصويري الدائم لحركة الكون داخل الجسد الشعري ليس إلا.
* لذلك الصورة جوهر العمل الشعري السوريالي لأنها "عمدت إلى التوفيق ما بين اللغة والمدلول وأعطت الشعر أهمية تتعدى شكله"...
- بالضبط. "الصورة السوريالية شبيهة بصورة الأفيون هذه التي لا يستدعيها الإنسان، لكنها تتقدم إليه عفوياً، وبصورة طاغية. وهو لا قِبَلَ له بدفعها، لأن الإرادة تفتقر إلى القوة، ولم تعد تتحكم بالملكات"، على حد تعبير بودلير.
* ما نوع المحرك الذي كان في رأسكَ: حصان. مرسيدس. تمساح. ماكينة خياطة وتطريز. فأر. جنرال إلكتريك؟
- لم أكن أملك محركاً، كنتُ خلاّطاً يؤدي واجبه على أكمل صورة فقط. خلاّط تدور فيه الطبيعةُ مع الغيوم مع حيوانات الغابات مع الدفاتر وزجاجات النبيذ والمذاهب والموز والأرامل السوداء وجليد القطبين والأسماك وجوارب الثورة الدائمة.
* كم مرّة استنشقتَ رائحةً كريهةً منبعثة من النقد؟
- على طول فترة الهياج الجنسي السوريالي. كان النقاد يطاردون قصائدنا مع حيواناتهم المتوحشة لافتراسنا بالعظام مع الورق.
* تقول "الهياج الجنسي للسوريالية"! ما نوع ذاك الهياج؟
- إنها مجرد فكرة. فقد كان أغلب المعادين للسوريالية من ذوي الاحتياجات العاطفية والنفسية الخاصة. طبولٌ مبقورة البطون، لكنها تحاول إعادة إنتاج نوع من الموسيقى التصويرية لتحجيم ولادات الرحم السوريالية. لقد كنا في مراهقة كونية صاخبة بالشعر الطائر الذي بث الروماتيزم في مفاصلهم فجأة.
* قبل أن تصل طيراناً إلى هنا يا سيد بروتون، مَن وضع اللمسات الأخيرة على موتك الكلينيكي؟
- لم يودعني أحدٌ في المثوى الأخير. لقد قُيّدتُ في ذلك اليوم التعسفي كالمجنون، لمنعي من امتطاء مركبتي الفضائية، والمجيء إلى هنا. إلا أن جوقةً من نافخي الآلات النحاسية، أصروا على مرافقتي إلى المكان الجديد، كأنني كولومبس آخر يكتشف قارةً فوق تلك الأرض. لذلك يمكن القول، بأنني وصلتُ محمولاً كالفراشة على خيطٍ واهٍ من الحرير .
* وصلت إلى هنا من دون أن تصطدم روحك بكوكب أو بنجم مشعوِذ على الطريق. هل تكوّن لديك هاجس بضرورة إعادة تقييم علاقتك بالديانات، أم أن نفسكَ لا تزال ممونةً بالوقود الإلحادي؟
- أمام سؤال كهذا، تتملكني رغبةٌ عارمةٌ وملحّةٌ في الصراخ. فأنا لا أعتقد بأن الدين ثلاجةٌ، كلّ من يكون خارجها، يَفسد عقله وينال منه التفسخ، وكل من بقي بالفريزر يستمر صالحاً إلى ما لا نهاية. حتى الله لا يجيز منطق المتهافتين عليه بتلك الطريقة.
* هل ترغبُ بلقاء سلفادور دالي؟
- سمعتُ عنه الكثير هنا. قيل إنه قد فتح مدرسةً لتعليم سواقة الأحلام هنا في الجنة. ومرةً لأنه مشغول بإعادة إنتاج ابتسامة الموناليزا بعد النقاهة من فترة الحمل. المهم أنني أرسلتُ إليه رسالةً بالبريد الإليكتروني، ولم يردّ بعد. لكنه بعث لي هذه اللوحة هدية. مع ذلك فأنا غير مطمئن لسلوك سلفادور، وأتطلع للنظر في شرعية اعتقاله أمام المحاكم الإلهية، تلافياً للأضرار التي قد يُلحِقُها هذا السوريالي المتطرف بسكان هذي الشقق التي بات يعتبرها من لوازم ثورة ما بعد السوريالية .
* هل أصبحت محرضاً ضده عند سلطة العرش؟!
- أبداً. ولكن مخافة أن تقود استفزازاتُ سلفادور دالي إلى إغلاق أفواه السورياليين بالشمع الأحمر. ذلك ما لا يناسبنا الآن. نحن لا نريد أن يُجلى الضباب عن أفكارنا النائمة. وسلفادور ولاّعة لإشعال الحرائق.

 

إظهار التعليقات

يلفت موقع النهار الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

Digital solutions by WhiteBeard
Digital solutions by WhiteBeard