الطريق إلى قلب باريس يمرّ بالكتب

7 نيسان 2017 | 09:27

المصدر: النهار

تسير في شوارع باريس وتجد أنّ الجميع يقرأ. يمسكون بكتبهم ويركضون. يهرعون إلى المترو. إلى الباص. إلى العمل. إلى مكان ما. لا يهمّ. هم دائمًا على عجلة من أمورهم. هم دائمًا في حال من الانشغال الذهنيّ.

تتساءل ماذا تراهم يقرأون ليكونوا على هذا القدر من الانقطاع عمّا حولهم. تتساءل كيف يمكنهم التركيز في زحمة المترو التي لا تزال ترعبك وتصيبك بالغثيان. تنظر في وجوههم البيضاء المنغمسة في الصفحات الممتلئة بالمئات والمئات من الكلمات ويتضاعف شعورك بالغربة. تراهم مسيطرين تمامًا على أجسادهم وحركاتهم. حتّى أنّهم غير مضطرّين إلى الإمساك بالقضبان الحديد للمحافظة على توازنهم. كأنّ جسم الواحد منهم يولد متماهيًا مع حركة باريس نفسها. تنظر إليهم ثمّ تنظر إلى نفسك أنت الطالب المسكين الواقف في زاويتك، المرتبك بحقيبتك وهاتفك وبطاقة المترو التي لا تعرف أين تضعها. تنظر إلى نفسك أنت المتأرجح يمينًا ويسارًا. تمسك بالمسكات الحديد لكنّك عاجز عن الثبات. تميل إلى الواقف عن يمينك. "تخبط" بالواقف عن يسارك. توزّع كلمات الـ pardon. لكنّ أحدًا لا ينتبه. الجميع مأخوذ بكتابه. بشاشته. بصحيفته.

 

يقرأون الكتب. الصحف. الدعايات. يقرأون كلّ شيء. جميعهم. حتّى الشحّاذ الجالس على زاوية الرصيف، المتقوقع من البرد ومن نظرات المارّة تراه يقرأ. لا ينظر إليك ولا يستجديك. بالأحرى هو "لا يعبّرك" أصلاً. الرجل جالسٌ في زاويته يقرأ صحيفته ويتناول قهوته بهدوء وبمعزل عن كلّ ما قد يدور قربه.
باريس تقرأ لكنّها تكتب أيضًا. فباريس مملكة المثقّفين وملجأهم وحارسة الإرث. الأمانة. باريس وفيّة. تقدّس بيوت كبار الأدباء والكتّاب الذين مرّوا فيها واستجدوا الحبّ على أبوابها. أدباء فرنسيّون وآخرون أجانب طرقوا أبواب باريس ليأخذوا عنها شيئًا من أناقتها الفكريّة، فتركوا خلفهم بيوتًا حوّلتها باريس إلى متاحف. إلى معالم سياحيّة. إلى غرف تشبه أصحابها. أو هم الذين يشبهونها. لا يهمّ. بلزاك وبودلير وكامو وبول كلوديل وداروين ودوما ومارغريت دوراس وفولكنر وفرويد وغوته وريلكه وهوغو وغيرهم بالآلاف أقاموا في باريس وتركوا فيها شيئًا منهم، هم الذين أتوا إليها ليأخذوا النار.
بيوت تمرّ أمامها شاردًا مستعجلاً كأنّك مارّ أمام لوح إعلانات. ثمّ تتوقّف لتعود إليها وتتأمّلها بدقّة. ترجع إلى الوراء بضع خطوات متلعثمة وتنظر إلى اللوحة المكتوبة: هنا بيت الكاتب فلان. ومن دون أن تتمكّن من التصرّف، من دون أن تدرك حركة جسمك الأوتوماتيكيّة، تشعر بقدميك تصطكّان وبعرق بارد ينزل من جبينك ووجنتيك وحاجبيك حتّى. تكاد تسمع صوت خربشة القلم في الداخل. صوت الكلمات وهي تولد. تكاد تنتظر أن يخرج بلزاك إليك بـ"روبه" الأريستوقراطيّ الذي كان يرتديه ليكتب. تكاد تنتظر أن يخرج بودلير وقنّينة الأبسنت في يده. هنا أقاموا. هنا عاش هؤلاء الذين لا تغفو إلاّ على صوت "طرطقة" كلماتهم.



تسير في شوارع باريس وقلبك يكاد يقفز من مكانه ليلتهم الوجوه والبيوت والأزقّة. لا يمكنك أن تشرد. لا يمكنك أن تلتهي. فباريس صندوق مفاجآت. صندوق لن يمنح أسراره إلاّ لمن يستحقّها. لمن يستطيع التوهّج والتمرّد. تسير في شوارع باريس وتفكّر في هؤلاء الذين صنعوا تاريخ الإنسانيّة وساروا في هذه الشوارع نفسها. ابتسموا ابتسامتك نفسها. شعروا بالغربة نفسها. بالبرد نفسه. بالرهبة نفسها. بالحبّ نفسه. تسير إلى جانبهم، معهم، خلفهم، تبحث عنهم. تارة تجدهم وطورًا يجدونك، وفي الحالين تظلّ على جوعك إليهم وإلى كلماتهم وإلى باريسهم التي صقلتهم وحرّرتهم.
تسير في شوارع باريس... وتحلم.
تحلم بهم وبها وبأيّامك القادمة.
تحلم بباريس الرائعة. نار العظماء ومنهلهم.

 

إظهار التعليقات

يلفت موقع النهار الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

Digital solutions by WhiteBeard
Digital solutions by WhiteBeard