المترو... وما أدراكِ ما المترو؟!

22 آذار 2017 | 09:52

يحذّرونكِ من المترو في باريس. يحذّرونكِ من الرائحة، من الشحّاذين، من عازفي الموسيقى، من النشّالين. يحذّرونكِ من الجزائريّين، من المغاربة، من ذوي السحنات السمر، من البيض. لكانوا حذّروكِ من الهنود الحمر أيضًا لو وُجدوا على الأراضي الفرنسيّة. يحذّرونكِ من المترو كأنّه وحش كاسر سينقضّ عليكِ ويلتهمكِ أنتِ الطالبة اللبنانيّة المسكينة. لكنّ الأمور لا تجري على هذا المنوال تمامًا. الأمور في باريس لا تجري معكِ يومًا على أيّ منوال متوقّع.

العاصمة الفرنسيّة باريس، تجربة بسيكولوجيّة سوسيولوجيّة أنتروبولوجيّة عميقة. منذ وصولكِ تروحين تجمّعين الأخبار والـ data لنكات تخبرينها للأهل والأصدقاء. تجدين في المترو روايات كثيرة. يصبح هذا الوحش الحديديّ المسرع دومًا، منهل أفكار وحوادث ومآزق لا عدّ لها ولا حصر.
المترو هدف في ذاته. إيّاك أن تقرئي في المترو! إيّاك أن تضعي الموسيقى في أذنيك! إيّاك أن تشيحي بنظرك ولو لحظة واحدة عن الوجوه والملابس والأيدي. إيّاك ثمّ إيّاك لسببين. أوّلاً لأنّك قد تُسرَقين. ثانيًا لأنّك قد تفوّتين عليك مشهد أحدٍ وهو يُسرَق.
لكنّكِ تعشقين المترو. فليست الأمور على هذا البؤس. تعشقين المترو وتلتهمين وجوهه وأصواته وروائحه. تقفين في زاويتك وتتشرّبين القصص من الأجساد والوجوه. تتتبّعين الحركات، النظرات، الأيدي. تراقبين الفرنسيّين إنّما لا تُطيلين التحديق فيهم لأنّهم قد ينهرونك بغطرسة ولؤم. يصبح المترو حقل تجاربك، فأرك الصغير، عفوًا من الفئران والجراذين الكثيرة التي تتبختر بين الأرجل.
تعشقين المترو بروائحه وخفاياه، بالوجوه المتعبة التي يحملها في أحشائه. تعشقين نهم النظرات إلى الوصول، الخطوات التي تركض خوفًا من التأخّر على مترو آخر في مكان آخر في زمان آخر.
لحظة الانتصار هي اللحظة التي تركضين فيها لتدخلي الأبواب قبل أن تُغلَق، هذه اللحظات الأخيرة ما بين سماع صفير القطار وسماع إغلاق الأبواب. فتركضين. تركضين كأنّ حياتك متعلّقة بهذه الأبواب. ترين وجوه الناس في الداخل، وجوه تشجّعك على الإسراع، تبتعد من أمام الأبواب لتمهّد لك دخولك العاصف. دخولك المنتصر.
ترين الوجوه والأيدي والنظرات في المترو وترسمين لكلّ وجه قصّة، ولكلّ قصّة بيتًا وعائلةً وحلمًا. تتعلّقين بالوجوه وتحزنين عندما ترينها تسرع في الانصراف. يصبح لديك أصدقاء فجأة في هذه المدينة الحديديّة القابعة تحت مدينة برج أيفل المغرور.
في المترو موسيقى رائعة، رجال يلعبون بشغف وفرح. في المترو عازفون جميلون يهزمون القسوة الحديديّة ليرسموا أفكارًا رومنطيقيّة في أحشائك. فتبتسمين. تبتسمين ولا تدفعين لهم المال لأنّ السيّاح وحدهم يدفعون البخشيش في باريس، وأنت تريدين أن تظهري بمظهر الباريسيّة المتأصّلة التي سئمت المترو وزحمته.
إنه المترو... وما أدراكِ ما المترو؟!

 

إظهار التعليقات

يلفت موقع النهار الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

Digital solutions by WhiteBeard
Digital solutions by WhiteBeard