يمين ويسار، كتائب وكوفية ضد السلطة: لا للضرائب نعم للسلسلة

19 آذار 2017 | 19:42

المصدر: "النهار"

رافقَ التحضير لتظاهرة يوم الأحد ما يمكن تسميته نضجاً في تخطي عقدة سابقة لدى مكوّنات حراك 2015 في مشاركة حزبيين بصلب التحرك، في حين بقيت عقدة الخلط بين المطالب وضبابية آليات التحرك تؤرق مستقبل التحرك الشعبي الذي حلّ حدثاً من العيار الثقيل على الشاشات المحلية والعالمية. حدث استدعى نزول رئيس الحكومة سعد الحريري من دون ربطة عنق الى صفوف المتظاهرين ومخاطبتهم عن قرب وإطلاق وعود محاربة الهدر والفساد. وإن كانت قارورات المياه التي قذفت في اتجاه رئيس الحكومة من فعل غير منضبطين، فان ردّ مجموعات الحراك على مبادرة الحريري الداعي الى الحوار حول المطالب، كان الأبلغ في تلمس المعادلة التي أرساها الشارع. معادلة تربط بين التراجع عن الضرائب المفروضة واقرار السلسلة عبر ايرادات جديدة وبين وقف التحرك الاحتجاجي.

 على امتداد الطريق المؤدية من ساحة الشهداء في اتجاه ساحة رياض الصلح، أمكن رصد تنوعٍ في المشاركة طغى عليها العنصر الشبابي بطبيعة الحال. ففي السياسة، حمل حضور "حزب الكتائب" في مقدمة التظاهرة الى جانب "الحزب الشيوعي" معنى مكثفاً في التقاء "اليمين" و"اليسار" على تلقف صرخة الناس الناقمة ضد فرض ضرائب على الفقراء والطبقة الوسطى لتمويل سلسلة الرتب والرواتب.

في الساحة التي تهافت اليها المئات من الناقمين على سياسة السلطة بصورة فردية، اجتمع الحزبان مع مجموعات الحراك التقليدية اليسارية والعلمانية، في حين برز حضور ناشطين من حزب "الوطنيين الأحرار" ومستقلي 14 آذار كانوا الأسرع الى التمايز عن مجموعات يسارية ما إن أطلق الحريري مبادرته حيث بدوا أقرب الى التجاوب مع دعوته الى الحوار.

(تصوير ناصر طرابلسي)

ولاشك ان الاطار التنسيقي لمكوّنات الحراك يواجه صعوبات عدة في توحيد الرؤى وخطى التحرك المستقبلية وبلورة قيادة قادرة على ضبط التحرك وتفعيله حيال الاستحقاقات الداهمة المتداخلة. لكن رغم ذلك يمكن الحكم بمستوى مقبول من التنسيق برز في محطات كتغييب الشعارات الحزبية والتركيز على قضية الضرائب، وفي الرد المشترك على مبادرة رئيس الحكومة ببيان تخطى فخ الانقسام من اليوم الأول ورفع مطالب واضحة الى السلطة بالغاء الضرائب غير العادلة واقرار سلسلة الرتب والرواتب كاملة بتمويلها عبر وقف الهدر ومكافحة الفساد. وبدا التنسيق ناضجاً أيضاً في الصفوف الأمامية خلال التصدي للافعال الغوغائية لمجموعة من الشبان راحوا يقذفون قوى الأمن بمفرقعات نارية وعبّوات مياه.

 

الحضور الشيوعي ظهر وازناً في التظاهرة، ويقول الأمين العام للحزب الشيوعي حنا غريب لـ"النهار" ان "المطلوب من السلطة ليس الالتفاف على الوضع القائم، فنحن أمام حالة شعبية عارمة وناقمة، والمطلب واضح بالنسبة الينا: اقرار السلسلة كاملة وقانون انتخابات خارج القيد الطائفي على أساس النسبية يفتح الباب أمام اصلاح سياسي حقيقي".
وتفصيلاً، "على السلطة اعادة طرح السلسة والغاء الضرائب التي تمس الناس وفرض الضرائب على حيتان المال، مركزة على الريوع المصرفية والعقارية والأملاك البحرية ووقف التهريب والنهب، كمصادر لتمويل السلسلة، وفي خطوة لاحقة لا بدّ من اعادة النظر في النظام الضريبي"،
وفق غريب الذي يشعر "بالرضا حيال حجم المشاركة الشعبية والرسالة التي وصلت اليوم". وهو لا يجد ضيرا في التكتل مع "القوى التي تحمل اجندة مماثلة ضمن اطار عمل سلمي على قضايا توحد البلد وتحصنه". والأهم الآن "ولادة قياد موحدة تحمل هموم الناس".


من لفوا أعناقهم بالكوفيات التي يحبّ بعض ناشطي المجموعات اليسارية ارتداءها خلال التحركات، وقفوا جنباً الى جنب مع شبان وشابات حزب الكتائب. ليس الوقت مناسباً لتقييم "الكامستري". فـ "الأمر جدّ عادي"، بالنسبة للشيوعي أيهم، اما كريستيل فتجد ان التنوع في التظاهرة "يعبّر عن التركيبة اللبنانية، وككتائبية ولبنانية تجمعني قضية واحدة اليوم مع اليساريين، ويبقى الأساس اننا لبنانيون".
القيادي في حزب "الكتائب" سيرج داغر قال لـ"النهار" ان مستقبل التحرك "مرهون بردة فعل الحكومة والسلطة وتراجعها عن الضرائب المفروضة"، نافياً ان يكون "الكتائب في موقع الرافض لفرض ضرائب تتعلق بالمصارف او تسوية مخالفات الاملاك البحرية ".
وعن التنسيق مع باقي الأطراف، يشير داغر الى "وجود اطار جيّد ومنتج حتى الساعة ولابدّ من تمتينه أكثر، وقد يكون دليل صحة التنسيق ان التظاهرة حققت الكثير من النتائج قبل حصولها".

(تصوير ناصر طرابلسي)

أما القيادي في حملة "بدنا نحاسب" واصف الحركة فرأى ان "أهم ما في حشد اليوم تنوعه حيث اجتمع اللبنانيون من طوائف ومناطق واتجاهات مختلفة بمطلب مواجهة السلطة لاسقاط الضرائب"، مجدداً الدعوة "يوم الاربعاء لتحرك اسقاط الضريبة في الشارع، ومن بعدها قد تتوالى الدعوات من اجل استحقاقات اخرى، اما عنوان اليوم فيقتصر على رفض الضرائب".

في اليوم المشمس الذي أتاح للمتظاهرين حرية أكبر في الحركة، علت مئات الشعارات الجادة والتهكمية المبدعة وعقدت حلقات دبكة على وقع أغانٍ وطنية وثورية، وكان الأمر فرصة لباعة الكعك والاعلام اللبنانية والشعارات الثورية لكي يقوموا بعمل منتج على أكثر من صعيد.

(تصوير ناصر طرابلسي)

أحد باعة الكعك هو طالب ادارة اعمال تحدث لـ"النهار" وبدت السعادة تغمره "الناس يقبلون على الشراء، انا اعمل واتظاهر في آن، الامر جميل جداً".

وعلى مقربة كان يقف المحامي ملحم خلف الوجه البارز في المجتمع المدني الذي تحدث الى "النهار" راصداً "وعياً في الشارع والمجتمع المدني بنقاباته واحزابه يضع معيار العدالة الاجتماعية، لسنا ضد الضرائب بالمطلق بل ضد ما يمس الناس منها، نحن مع وقف الهدر الذي يؤمن تمويل السلسلة". وفي رأيه، ان "ليس لهذا الشعب ثقة بالسياسيين بالمطلق، نحن امام استحقاق بعد يومين ان لم تدع الهيئات الناخبة الخطر على الكيان ماثل بقوة".

اما الاستاذة في العلوم الاجتماعية الدكتورة منى فياض فكانت تسير بحماس كبير بين المتظاهرين ، متمنية ان "نكون قد تعلمنا من أخطاء الحراك السابق". وفي رأيها ان الشعار يجب ان يكون "لا للضرائب نعم للسلسلة"، ولا بدّ من تمويلها عبر ايقاف الهدر والفساد واعتماد سياسة اقتصادية ناجعة لا تضر الناس.

 


"سرقتونا باسم الاعمار، وطعميوتنا للتجار، بكرا جاية الانفجار وبدنا نردلكم هي"، ولو "بابا، بي الكل"، "نواب على مين"، "شباب من أجل التغيير"، "بكرا النا، مبارح انتو"، "نحنا الأمل وايه في أمل"، "وراء كل دولة فاسدة شعب نائم"، شعارات من مئات ارتفعت في ساحة التظاهرة التي زرعت الأمل مجدداً بأن معنى السياسىة لم يمت تماماً في لبنان، طالما هناك قلة ترفع الصوت ضد الانهيار المتمادي. يبقى الأهم في الاعتبار من أخطاء الماضي ودرس الخطوات والمطالب بوعي وتشخيص عميق لهوية خصم متمثل بنظام طائفي عنيد مرتبط بشبكة مصالح مغروسة في عمق الشعب... الناقم!

 

diana.skaini@annahar.com.lb

 

إظهار التعليقات

يلفت موقع النهار الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

Digital solutions by WhiteBeard
Digital solutions by WhiteBeard