مصر وإيران... تقارب حدوده سوريا أم أبعد؟

12 آذار 2017 | 12:44

المصدر: "النهار"

وسط الاصطفافات المتحركة في المنطقة، يتكاثر الهمس عن انفتاح ايراني-مصري يرده البعض الى تقارب بين طهران والقاهرة في الازمة السورية، ويعتبره آخرون محاولة للحجر على علاقات مصر والتحكم بها، بينما لا يراها فريق ثالث بعيدة من اتصالات خليجية- ايرانية ناشطة بحذر.

وظهرت إشارات من الجانبين المصري والايراني الى رغبة في تقارب كهذا. ولعل آخرها حديث الناطق باسم وزارة الخارجية الايرانية بهرام قاسمي الاثنين الماضي عن اتصالات بين الطرفين في محاولة "لرفع مستوى التمثيل الديبلوماسي"، وإن يكن لفت الى أن لا تطور حقيقياً في مسار العلاقات في الوقت الراهن.

وكان رئيس مكتب رعاية المصالح في طهران ياسر عثمان التقى أخيراً رئيس لجنة الامن القومي والسياسة الخارجية في مجلس الشورى علاء الدين بروجردي ووزير الخارجية محمد جواد ظريف ومساعد رئيس مجلس الشورى الاسلامي حسين أمير عبداللهيان.

وبعد سلسلة لقاءاته الايرانية، أبدى المسؤول المصري رغبة بلاده في توطيد العلاقات مع #إيران، باعتبارها "دولة مؤثرة ورئيسية في الشرق الأوسط"، لافتاً الى أن البلدين يتفقان في وجهات النظر حيال الكثير من القضايا التي تخص المنطقة، ومنها ضرورة مكافحة الإرهاب، واستخدام السبل السياسية بدلاً من المواجهات العسكرية لإيجاد حلول للأزمات الراهنة في المنطقة.

ومع التصريحات، ظهر تقارب واضح في موقفي البلدين في الازمة السورية، حيث بدت القاهرة أقرب الى طهران منها الى دول الخليج حيال سبل الحل. إلى ذلك، تحدثت تقارير عن رعاية طهران اتفاقاً عراقياً-مصرياً لتصدير نحو مليون برميل نفط شهريا من البترول العراقي الى القاهرة، إثر تعليق اتفاق بين الحكومة المصرية وشركة أرامكو السعودية.

فهل صار الطريق سالكاً لتطبيع بين القاهرة وطهران؟

من المعروف أن العلاقات الديبلوماسية مقطوعة بين #مصر وإيران منذ 37 سنة، وتحديدا منذ 1980 بعد الثورة الإيرانية وتوقيع معاهدة السلام مع اسرائيل عام 1979 واستقبال القاهرة شاه إيران السابق محمد رضا بهلوي الذي كانت سلطات الثورة الإسلامية تطالب باسترداده لمحاكمته. وبعد اغتيال الرئيس أنور السادات عام 1981 أطلقت الحكومة الإيرانية اسم خالد الاسلاميولي، المتهم الرئيسي بالجريمة، على أحد شوارع طهران، الأمر الذي زاد التوتر بين البلدين. ومنذ ذلك التاريخ، تراكمت الخلافات الثنائية والإقليمية التى ألقت بظلالها على احتمال تحسن العلاقات، ومن أهمها دعم مصر للعراق فى حربه مع إيران ( 1980 - 1988 ) وتصدى مصر لمحاولات طهران تصدير ثورتها الإسلامية لدول المنطقة خاصة فى الخليج.
محاولات للتقريب بين البلدين

وحصلت محاولات عدة للتقريب بين البلدين. ويتذكر الديبلوماسي الايراني السابق سيد حسين موسويان في مقال كتبه مع أستاذ القانون الدولي في جامعة نيويورك المصري ياسين العيوطي في موقع "آسيا تايمز" أنه دعي عام 2004، إذ كان رئيساً للجنة العلاقات الخارجية في مجلس الامن القومي الايراني الى اجتماع سري مع أسامة البارز، المستشار السياسي للرئيس حسني مبارك في حينه. وبعد مفاوضات في القاهرة، أمكن الاتفاق على رزمة لتطبيع العلاقات المصرية-الايراني. ولكن الاتفاق سقط أمام رفض صانعي القرار في كل من القاهرة وطهران.

ويشير الباحث في معهد واشنطن هيثم حسنين الى محاولة أخرى للتقارب بين مصر وايران بعد اطاحة الرئيس حسني مبارك عام 2011، مشيراً الى انه بعد ستة أيام من تنحيه، سمح المجلس الاعلى للقوات المسلحة لفرقاطات ايرانية بالمرور في قناة السويس للمرة الاولى في ثلاثين سنة.

ولاحقاً، دعا الرئيس المصري عبدالفتاح #السيسي الرئيس الايراني حسن روحاني الى حفل تنصيبه. ومع ذلك، بقيت العلاقات بين البلدين تقتصر على الجانب الاقتصادي والتجاري.

ولكن موسويان والعيوطي يبدوان متفائلين بأنه إذا حصلت محاولة جديدة لاعادة العلاقات الديبلوماسية فستنجح. ففي رأيهما أن الظروف مواتية لمثل هذا التقارب، بما فيها التعاون "لمحاربة الإرهاب". أما "التهديد الشيعي" التي يهول به البعض في مصر ، فلم يجد العيوطي خلال عمله على كتاب "الانقسام السني-الشيعي" أي أساس ديني له.

يقلل الكاتبان أهمية الاساس الديني للخلاف بين مصر، لا بل هما يعتبران التعاون بين الجانبين يمكن أن يضطلع بدور حاسم في إدارة صراعات المنطقة ويخفف حدة الطائفية بين السنة والشيعة، وخصوصاً أن "لديهما موقفاً منسجماً بشأن داعش والقاعدة".
إلى ذلك، كتب الباحثان هيثم حسنين من معهد واشنطن لسياسات الشرق الأدنى في صحيفة "ذا هيل" الاميركية أن الدوافع الأساسية تحول مصر في سياستها الخارجية تجاه إيران ينبع من خوفها من الإسلاموية السنية، ورغبة القاهرة في إعادة وضعها كقوة إقليمية،إضافة إلى أزمتها المالية العميقة.

التحكم بعلاقات مصر
وعلى رغم هذه المعطيات والوقائع التي ترجح تبدلاً محتملاً في العلاقات المصرية-الايرانية، يرى أستاذ العلوم السياسة بجامعة القاهرة محمد السعيد ادريس أهدفاً سياسية للنقاش السائد حول التقارب، معتبراً أن فيه محاولة للتحكم باتصالات مصر والحجر على علاقاتها، مشيراً الى ان مصر هي الدولة العربية الوحيدة التي لا تقيم علاقات كاملة مع طهران.

يعود إدريس إلى المفترق الاساسي بين مصر وايران والمتمثل برؤية كل منهما لحل القضية الفلسطينية، "إذ اختارت مصر طريق السلام وخاضت هذا الغمار الرديء، بينما اختارت إيران ثقافة المقاومة". وفي حينه لم تكن الدول العربية تعتبر ايران تهديداً. أما بالنسبة الى مصر، "فكانت هناك دائماً عوائق حيال التقارب مع ايران"، بما فيها العلاقات بين أميركا وطهران، والأولويات المصرية، وفي مقدمها #السعودية والامارات.

والجديد في النقاش الدائر مرده في رأيه الى عوامل تقارب تتمثل خصوصاً في الرؤية المصرية المتقاربة "لا المشتركة" مع إيران حيال الأزمة السورية. ويقول إن الجانبين يتوافقان على الحفاظ على الدولة والمؤسسات والجيش، بدل تفكيك النظام. ومع ذلك، يؤكد أن نقاط التباعد لا تزال قائمة، بما فيها الموقف الخليجي الذي توليه مصر أهمية كبيرة.

وفي أي حال، يستبعد ادريس " موقفاً مصرياً منحازاً لايران". ويقول: "قد نتوصل الى تفاهمات مع ايران، ولكن من المستحيل أن يكون هناك تحالف".
أستاذ العلاقات الدولية ينطلق في نظرته للعلاقات الايرانية-المصرية من معادلة أن العلاقات بين الدول هي مزيج من التعاون والصراع في مجالات متعددة، وإن يكن يقر بأن "عوامل التباعد تفوق بكثير عوامل التقارب" بين مصر وايران.
تسعى مصر لاستعادة دورها الاقليمي كأكبر دولة عربية شكلت دائماً ركيزة أساسية للعمل العربي المشترك. وفي ظل الحديث عن مشروع "ناتو" عربي، يستبعد إدريس أن تميل القاهرة الى طهران، وهو ما سيفقدها دروها في هذا المشروع الطموح.

#حزب_الله
من شأن أي تقارب بين القاهرة وطهران،إذا كان قائماً، أن ينعكس على علاقة مصر ب"حزب الله". ولكن المدير السابق لمكتب صحيفة "الأهرام" في بيروت عبداللطيف نصار الذي غادر بيروت في 28 شباط الماضي لم يلاحظ أي شيء من هذا القبيل. وقال ل"النهار" أن "الحزب رفض لقاء وزير الخارجية سامح شكري عندما قابل زعماء الاحزاب والتيارات اللبنانية قبل الانتخابات الرئاسية"، وهو ما لا يؤشر الى علاقات جيدة.
وعلى رغم تودد الامين العام ل"حزب الله" السيد حسن نصرالله للرئيس المصري عبدالفتاح السيسي، والتقارب المصري-السوري في مجلس الامن، لا يرى نصار تقارباً مصريا مع الحزب، "على الارجح بسبب العلاقات المصرية- الخليجية الجيدة، ودعم الحزب لحماس التي لها دور كبير في الارهاب داخل سيناء عبر المقاتلين والتهريب والانفاق". أما عن احتمالات حصول تقارب ايراني-مصري، فقال: "لا أعتقد أن هذا سيحصل قبل التوصل الى حل للأزمة السورية ولحرب اليمن العبثية".

انفتاح خليجي إيراني
وعلى رغم كل المؤشرات لتوتر مصري-سعودي تحديداً، ثمة اجماع على أن تقارباً مصرياً-ايرانياً لا يزال مرتبطاً بانفتاح خليجي-ايراني.
ولكن على هذه الجبهة خصوصاً، تشهد المنطقة دينامية جديدة هادئة تجلت أخيراً بزيارة الرئيس الايراني حسن روحاني للكويت وعمان، وهي الاولى له لدول خليجية منذ انتخابه، وزيارة وزير الخارجية محمد جواد ظريف لقطر، وقبلهما زيارة وزير الخارجية الكويتي لطهران مطلع طهران "لانهاء النزاع مع ايران من خلال حوار صريح وهادئ وبناء". والجمعة، أورد موقع "برس تي في" على موقعه على الانترنت أن طهران ترحب بعرض الصين المساعدة في حل الخلافات بين طهران والرياض.

Monalisa.freiha@annahar.com.lb

Twitter: @monalisaf

 

إظهار التعليقات

يلفت موقع النهار الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

Digital solutions by WhiteBeard
Digital solutions by WhiteBeard