"كليرمون" ينادي بضمان تنقّل البشر والأفكار بحرية مطلقة

5 شباط 2017 | 16:45

المصدر: "النهار"

"بلوز اللاجئين" لستيفان بوكاس وتريستان دوز.

أربعينية تجلس في مطعم "لونيفير"، وتروي لرجل تعرّفت إليه للتوّ عبر صديقة مشتركة: "كنتُ هنا قبل أكثر من عشر سنوات، يومها تشاركتُ غرفة صغيرة مع شخص أصبح معروفاً في ما بعد". مشهد يألفه وكلام يسمعه كلّ مَن يزور دورياً مدينة كليرمون فيرّان (وسط #فرنسا) في مطلع كلّ سنة منذ عقد، لحضور مهرجانها الشهير الذي تجاوز صيته فرنسا، خصوصاً عند احتكاكه بناس يتقاطرون إليها من كلّ أصقاع الأرض. فلطالما كانت هذه التظاهرة التي يسمّيها بعضهم "مهرجان كانّ الفيلم القصير" وفيّة لهذا النهج: إتاحة الفرصة لسينمائيين شباب لعرض أفلامهم الأولى أمام جمهور يتّسم بالفضول والشغف، ثم تركهم يشقّون طريقهم في العالم الواسع.

أغطّي هذا الحدث صحافياً منذ عشر دورات، وكان لي دائماً الانطباع بأنّ الأفلام القصيرة هي مختبر لسينما الغد، بحلوها أو مرّها، بانكماشها أو لحظات الحرية المطلقة. هنا تلمس بعضاً ممّا يمكن أن تكونه #سينما المستقبل. وتدرك ما هي الأمور التي فاتت السينما أن تكونها. ففي القصير كمية أكبر من الهجاء والجنون والانفلات الذي يعصي على الأفلام الطويلة ذات الموازنة الأكبر. مهرجان كليرمون أضحى عبر السنوات الحضن الدافئ للعديد من المخرجين الذين مرّوا من هنا بأفلامهم القصيرة. أحدهم، المخرج المعروف جان بيار جونيه، كان هنا أمس الأول خلال افتتاح الدورة الـ٣٩ (٣ - ١١ الجاري) ليروي شيئاً ممّا يتذكّره يوم عرض في كليرمون فيلمه "هراء" العام ١٩٨٩. لم ينسَ جونيه أن يشجّع السينمائيين الشباب ويحضّهم على عدم الإذعان لمحاولات تدجينهم وتأطير طموحاتهم وفق قوالب جاهزة، قبل أن يخبر الحضور إنه خلال عرض فيلمه في هذا المكان، خطر على باله إنجاز "قدر أميلي بولان الاستثنائي"، وهو يراقب الابتسامات على وجوه المشاهدين.

جان بيار جونيه: هنا ولد فيلمي "أميلي".

في مناسبة الكلام عن الجمهور، فعلى مدار عقد كامل من التغطية لهذا المهرجان، قابلت "النهار" عدداً هائلاً من المشاهدين. معظمهم يتابع العروض باهتمام كبير وفي يده الكاتالوغ، وأحياناً يدوّن بعض الناس ملاحظات على ورقة صغيرة أو يمنحون علامات للعمل الذي شاهدوه. حتى أنّ بعضهم يتكلّم على الفيلم الفلاني الذي عُرض في الدورة الفلانية من ١٥ أو ٢٠ عاماً كنقطة مضيئة في سيرته كمتفرّج. هؤلاء لا تربطهم بالأفلام سوى الرغبة في فهم العالم والاطلاع على تجارب الشباب كمكان لطرح سينما المستقبل. صحيح أنّ كليرمون مدينة طالبية، إلا أنّه تقصد مهرجانها الشهير كمية كبيرة من المشاهدين الذين أصبحوا في سنّ التقاعد وليس لديهم ما يفعلونه في الحياة. فقدوا الكثير من الأشياء عبر الزمن، سوى الفضول. أتحدّث تحديداً عن هؤلاء الـ"كوبلات" الودودون الذين تتواصل معهم بسهولة، وأحياناً تجد أحدهم يمسك يد الثاني في عتمة الصالة.

تم إهداء الدورة الـ٣٩ لروح الممثلة الفرنسية ايمانويل ريفا (رحلت في السابع والعشرين من الشهر الماضي)، وأيضاً لبرونو ديدلو الذي توفي في آب الماضي، وكان وضع بوستر دورة من الدورات التي "ساهمت في اطلاق المهرجان عالمياً"، كما قال الرئيس جان كلود سوريل. جرى الافتتاح في جو اتّسم بالهدوء والمرح، رغم الحادثة التي حصلت في صباح اليوم نفسه (محاولة الدخول إلى متحف #اللوفر بساطور). جرت العادة منذ سنتين تعزيز الأمن على مداخل بيت الثقافة حيث يجري الافتتاح وعروض المسابقة الرسمية، وهو يُعتبر المركز الأساسي. ولكن تبقى التدابير متواضعة، لا يمكن مقارنتها بالإجراءات الوقائية في مهرجان كانّ مثلاً. هناك بعض الحرس العزل على المدخل يطلبون النظر في حقائب اليد فقط. لا يوجد تفتيش دقيق، علماً أنّ فرنسا لا تزال في حال طوارئ حتى تموز ٢٠١٧. إلا أنّ المدينة لم تشهد يوماً أي عمل إرهابي، فهي يسارية الهوى، عمّالية تحتضن مصنعاً عملاقاً للإطارات "ميشلان"، معروفة بمساندتها قضايا الساعة، أقله من خلال هذا المهرجان الذي لطالما كان في رئاسة سوريل منبراً لإطلاق المواقف السياسية النارية.

مخلصاً لخطّه، ندد سوريل خلال الافتتاح بالقرارات الصادرة عن الرئاسة الأميركية بمنع مواطنين من سبع دول ذات غالبية مسلمة بدخول الولايات المتحدة. قال إنّ أحد مبادئ المهرجان هو ضمان تنقّل البشر والأفكار بحرية مطلقة، وتمنى أن يكون هذا أهم مطلب في حفل توزيع جوائز الـ"أوسكار" المقبل. كما رحّب بالإيرانيين في كليرمون، قبل أن تتولى الكلمة المخرجة الإيرانية روخساريه مغامي المشاركة في لجنة تحكيم قسم "لابو"، فروت أنّ فيلماً لها رُشِّح لجائزة تُوزَّع عشية الـ"أوسكار" في أميركا، إلا أنّ الحظر المفروض حالياً سيمنعها من السفر.

حشد غفير على باب صالة "كوكتو".

منتجة بريطانية تدعى أونا قالبي مقيمة في فرنسا، عضوة لجنة تحكيم المسابقة الرسمية، قالت من جهتها، أنّه ليس عالم السينما هو الذي صوّت لخروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي، لافتة إلى أنّ الانتاج المشترك بين بريطانيا وفرنسا لم يكن سهلاً حتى قبل الـ"بركسيت"، فما بالك الآن؟ وختمت كلامها بالقول أنّها لا تريد عزل نفسها في جزيرة البريطانيين الصغيرة. وتماشياً مع هذه الأجواء، عُرض فيلم "بلوز اللاجئين"، وثائقي من تسع دقائق، إنتاج مشترك بين بريطانيا وفرنسا، أخرجه ستيفان بوكاس وتريستان دوز. الفيلم استعادة لقصيدة الشاعر الإنكليزي ويستان هيو أودين من العام ١٩٣٩، أسقطها المخرجان على مَشاهد للاجئين في منطقة كاليه الفرنسية (يلقبونها بالأدغال)، وعلى بعض المواجهات مع عناصر الأمن والشرطة، بنحوٍ يمكن أن نرى في هذه المقاربة غير الموفقة تشابهاً مقصوداً بين النازيين والشرطة. إلا أنّ الجمهور وجد هذا الطرح مقبولاً وصفّق له بحرارة. كلّ هذه المواقف متوقعة، خصوصاً أنّ الدورة الماضية كانت أسست لها، مع إسناد تقديم حفل الافتتاح إلى فتاة من أصل مغاربي، وهو كان موقف حاد من أحداث ١٣ تشرين الثاني الارهابية في باريس. يومها عنوننا مقالنا "مهرجان كليرمون يحارب الإرهاب بالصمت والأفلام".

بمظهره الـ"كول" وبنطاله السبور، اعتلى سوريل المسرح واستعرض بعض اللحظات المهمة التي سيكون لجمهور كليرمون التعاطي معها طوال تسعة أيام من المشاهدة النهمة. فالبرنامج محمّل بكمّ هائل من الأعمال الجديرة بالاكتشاف، هذا عدا عن النشاطات الموازية. إلى أفلام المسابقة الرسمية التي تضمّ ٧٥ فيلماً من العالم بأسره موزعة على ١٤ حصة كالعادة، نجد بعض الأقسام التي باتت محطات ثابتة كالـ"لابو" (مختبر) الذي تنضوي تحته الأفلام التجريبية والراديكالية (٣٠ فيلماً) والمسابقة الوطنية (٦٠ فيلماً فرنسياً) أو "ديسيبيل" (٢٠ فيلماً تتمحور على الموسيقى). الجديد هذه السنة، هو ٩ أفلام تُعرض في إطار استعادة مخصصة لـ"الأكاديمية الكورية للفيلم"، التي كانت خلف إنتاج الأفلام القصيرة لعدد من الكوريين الذين باتوا معروفين في العالم، مثل بونغ جون هو. أما الاستعادة الأضخم فهي من نصيب السينما الكولومبية القصيرة، وتندرج في سياق "عام فرنسا في كولومبيا" و"عام كولومبيا في فرنسا". ٣٣ فيلماً من السنوات الأخيرة تكشف حركة سينمائية كبيرة في هذا البلد الذي يعيش اضطرابات سياسية كبيرة. إلا أنّ البرنامج الأكثر إثارة وشعبية هو ذاك الذي يجمع ٢٤ فيلماً من صنف الكوميديا السوداء، وفي جعبته أفلام لرومان بولانسكي وبولي لانرز ومايك لي ورينه لالو. من المرجّح أن يُضفي هذا القسم بعض الفكاهة والضحك والخفة على الواقع المرّ الذي يعكسه الكثير من أفلام المسابقة، وكان لي إطلاع على بعضها أمس (نعود إليها لاحقاً).

بونوا ديليبين: ترامب يقول "تباً للمهرجان!" (الصور: هوفيك حبشيان).

وبهدف وضعنا في هذا الإطار الكوميدي، عُرض خلال الافتتاح فيلم "موندو كينو" (١٩٩٥) لبونوا ديليبين وكريستوف سميث. رجل أخرق يسرق سيارة أثناء غسلها في المحطة، فيهرع بها إلى الحرية معتقداً أنّه نجح في تحقيق هدفه، قبل أن يتفاجأ بصاحبها يركض خلفها. عمل فكاهي جداً، مشغول بتقنيات بدائية، ولكن فيه بعض السحر خصوصاً أنّ الزمن جعله يبدو "أنتيكا". مخرجه ديليبين، وهو كاتب نصوص ما يُعرف على شاشة "كانال بلوس" بـ"دمى نشرة الأخبار"، قال للمشاهدين بعد صعوده على المسرح، أنّ لديه خبراً سيئاً. فأخرج الهاتف من جيبه معلناً أنّ الرئيس #ترامب غرّد للتو عبر "تويتر" ضد كلمة سوريل وشتم المهرجان ورئيسه بكلمة "فكّ". نوبة ضحك أصابت بعض الحضور على هذه الدعابة التي حملت كماً من السخرية. ختاماً، كان لجمهور كليرمون وقفة مع كليب أخرجه سام بيللينغ لأغنية "نوبادي سبيك"، يُظهر حجم العنف في الخطاب السياسي الحالي و"استحالة تغيير العالم"، وفق ما قالته عن حقّ مقدمة الحفل.

 

 

 

إظهار التعليقات

يلفت موقع النهار الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

Digital solutions by WhiteBeard
Digital solutions by WhiteBeard