"لا أريد أن أذكر تلك اللحظات"... معاناة هدى وخيري محفورة في ذاكرتهما!

1 شباط 2017 | 16:15

المصدر: "النهار"

"لا أريد أن أتذكَّر تلك اللحظات أرجوكِ أعذريني" هدى التي رفضت أن تلتقط الكاميرا صورة لها، شاهدةٌ على إحدى أبرز جرائم القرن الـ 21. حكاية هدى المؤلمة تختصر قصصاً عدَّة تحفر في الذاكرة.

لا تزال تتحمل وطأة ما جرى

حوصرت سنجار (شنگال) قرية هدى الإيزيدية في العراق من تنظيم "داعش" الذي دخل المنطقة في الساعة العاشرة من صباح ذلك اليوم المشؤوم واستولى عليها. في الساعة الرابعة عصراً استسلم أهل القرية، وخرجوا من منازلهم رافعين الرايات البيضاء، انقض الدواعش عليهم وقالوا للنساء سنبيعكن لأناس وهم سيتزوجونكن. تخبر هدى أنَّ "عناصر التنظيم قسمونا بين متزوجات وغير متزوجات، ومن ثم أخذوا الأطفال. حملت حينها ابن أخي قائلة لهم إنه ابني، علَّني أنجو من السبي وأبقى برفقة والدتي وشقيقاتي، لكنهم أرغموني على الذهاب معهم. في الساعة الثامنة ليلاُ قَدِم رجل سوري قائلاً إنه اختارني ليتزوجني، فأخبرت الحارس بأني لا أرغب في الذهاب إلى سوريا، فقال لي: "قولي للمسؤول أنا أحب الحارس وأريد أن أبقى في العراق. هكذا حصل فأخذني إلى منزله، ولكنَّ زوجته لم تقبل بوجودي. نقلني إلى مقر للمقاتلين حيث طُلب مني تحضير الطعام". هدى لم تتكلَّم طويلاً، ربما لأنَّ الكلمات لن تنقل فعلاً هول وفظاعة ما عاشته. عادت لتعيش في المخيم. وفي المخيم سرية تامة لإخفاء قصص مَن تعرضنَ للسبي والاغتصاب، كثيرات انتحرنَ في الأَسر وبعد فكّ أسرهنّ عبر شنق أنفسهنَّ بالحجاب أو بوسائل أخرى. أما الحوامل فلم يرجعنَ أبداً".

أشجار التين مأوىً للعائلات

قصَّة هدى واحدة من عشرات القصص التي حاول الوثائقي "إيزيديو العراق الإبادة 74" تسليط الضوء عليها. في كل خيمة قصة وفي قلب كل لاجىء رواية عن أهل فقدوا أبناءهم، ونسوة سُبينَ ولا يعرف مصيرهن. الإيزيدون واجهوا إبادة ليست الأولى بل تحمل الرقم 74، لأنَّ هناك من اعتبرهم أقلية لا تتبع "ديانة سماوية"، تقلَّصت أعدادهم لتصل إلى المليون و500 ألف منتشرين في العالم، 600 ألف منهم في العراق، وهذا العدد كان قبل هجوم تنظيم "داعش". يتواجدون حالياً في كردستان شمال العراق، هذا الإقليم الذي حصل على استقلاله الذاتي بعد انسحاب قوات صدام حسين منه عام 1991، وأعلنت أربيل عاصمة له.

خيري اللاجىء الذي رافق مخرجة الفيلم نبيلة غصين في رحلتها إلى جبل سنجار بصفته مترجماً يروي تجربته الصعبة، وكيف هرب مع زوجته وأبنائه ووصل بالقرب من جبل سنجار، وهناك لم يجد سوى أشجار التين ليأوي وعائلته تحتها أياماً عدة. يغصُّ مراراً والدموع تخنق كلامه، بالنسبة إلى خيري وغيره من العائلات الإيزيدية كانت أشجار التين سقفهم، والأرض الباردة أسرَّتهم. معاناة صعبة خصوصاً مع أطفال صغار كان الموت يحاوطهم في كل ثانية.

الحجر كما البشر لم يسلم من بطش التنظيم، والأماكن الدينية كانت لها الحصة الأكبر من همجيته. إذ حاول "داعش" هدم مزارَي شرف الدين ولالش مرات عدة إلا أنَّ قوات حماية سنجار تولت الدفاع ببسالة. يخبر أحد القياديين أنَّ "القوات العراقية هُزمت، لذا حاولنا الدفاع عن أنفسنا، وقد حاول "داعش" الهجوم علينا نحو 16 مرة، ولكنهم هزموا تجمّع ما يقرب من 2000 مقاتل أيزيدي للدفاع عن أماكنهم المقدسة".

ما سمعته شكَّل صدمة لي

"بعد سماعي صرخة النائبة الإيزيدية فيفيان دخيل شعرتُ كصحافية بأنه عليَّ التوجه إلى مكان الحدث، حملتُ كاميرتي الخاصة وسافرت حيث حالفني الحظ وحضنني الأكراد لأنني قادمة من بلد آخر لأحمل قضيتهم وأوصل صوتهم"، هذا ما تخبره مخرجة الوثائقي نبيلة غصين لـ"النهار".

نسألها عمَّا أثر فيها خلال الأسبوع الذي استغرقه تصوير الوثائقي؟ تجيب: "صوَّرنا الوثائقي عام 2014 أي بعد مرور شهرين على عملية الإبادة التي تعرض لها الإيزيديون. بدأنا بمخيمات النازحين حيث ما يقرب من 400 ألف نسمة. القصص التي سمعتها شكَّلت لي صدمة، أنا ابنة الجنوب العارفة بالمعاناة، وقد شهدت حروباً عدَّة منها حرب تموز 2006. كان محزناً حال الأمهات اللواتي لا يعرفن شيئاً عن أولادهن، وقد أخضعهن عناصر داعش لترهيب نفسي إذ كانوا يقولون لهن "لقد قطَّعنا أولادكن". عانى الإيزيديون أيضاً من قلة المواد الغذائية، فكانوا يأكلون التين غير الناضج. ويخبر الأهالي أنَّ قوات الحماية الكردية (PKK) فتحت لهم ممرات آمنة، في حين أنَّ البشمركة انسحبوا من مناطق الإيزيديين وتخلوا عنهم".  

اللافت بالنسبة إلى غصين كانت قوَّة المقاتلات الكرديات "رأيتُ صمودهنَّ بهذه الظروف حيث الحرب والطبيعة القاسية، والبرد القارس، نساء تحمَّلن الصعوبات وتخلينَ عن كل شيء في الحياة بغية التفرغ للقضية والوطن. تغيَّر منظوري لأفكار ومفاهيم عدَّة في الحياة، نحن نتمسك بالقشور وكل ما نعطيه أهمية لا يفكرنَ هنَّ به. أما الأصعب بالنسبة إليها كمَنَ في رؤية فتيات ميتات من الداخل، شبيهات بحالة هدى، لم يعد للحياة معنىً بالنسبة إليهنَّ.

 

 

شنكال لم ينهزم أمام طوفان نوح

"أمام جبل شنگال (سنجار) شعرتُ بأنني في صلب تاريخ. هذا الجبل التي تقول الأساطير إنه لم ينهزم أمام طوفان نوح كان خلاص الإيزيديين الذين يؤمنون بأنَه يحميهم، خصوصاً وأنهم تعرضوا عبر العصور لمجازر عدَّة لتحمل المجزرة على يد "داعش" الرقم 74. كانوا يهربون دوماً صوب الجبل للاحتماء به، ويتجمعون حول سفحه إذ من الصعب الصعود الى قمّته".

ماذا حملتِ معك بعد عودتك وأنتِ الشاهدة على معاناة المئات؟ "هذه التجربة شكلت تغييراً نوعياً لي، خصوصاً بعدما التقيتُ المقاتلات الكرديات من قرب وأمضيت بضعة أيام معهن. أعطَوني كإمرأة مفهوماً آخر للحياة، نحن دائماً نبحث عن الرجل، نعتقد أنه لا يمكننا الاستمرار من دونه إذ إنه الحامي. لكنَّ المقاتلات الإيزيديات أثبتنَ قوتهن الخاصة، فهنَّ عرفنَ جيداً قدراتهن الشخصية من دون الاعتماد على رجل. فحملنَ السلاح وحاربنَ على جبهات القتال وأثبتن جدارةً فاقت تلك التي يتغنى بها الرجال".

معاناة كان يجب أنَّ تحتلَّ شاشاتنا، فالصورة خير دليل على نقل المعاناة ومحاربة الإرهاب الذي قد يدقُّ أبوابنا في كل حين. لكنَّ التلفزيونات المحلية لم تهتمَّ بعرض الوثائقي تحت حجج عدَّة من بينها أنَّ مدته 50 دقيقة، وبأنه ليس من إنتاجها الخاص، إضافةً إلى حجج الرايتينغ. هذه العلامة السوداء في تاريخ البشرية وسكوت المجتمع العربي والدولي عن إبادة الإيزيديين لن تفيها الكلمات حقها. وكما ختمت المخرجة فيلمها بتساؤل نطرحه نحن أيضاً: "حضارة هذا الشعب ربما آيلةٌ للاندثار بعد سنوات، شعب لا يملك كتاباً سماوياً يأمره بالرأفة، لكنه لم يلقِ بالاً إلى وساوس الشيطان، التي تأمر بالقتل والسبي والحرق، فإذا كان شيطان الديانات السماوية هو إلههم كما يُتَّهمون، تُرى هل سيغدو إله البشرية شيطانهم لفظاعة ما أصابهم باسمه"؟

salwa.abouchacra@annahar.com.lb

Twitter: @Salwabouchacra

 

إظهار التعليقات

يلفت موقع النهار الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

Website by WhiteBeard