ريما مكتبي تروي لـ"النهار" تحدّي الموت: قهرتُ المرض والشماتة

16 كانون الثاني 2017 | 22:27

المصدر: "النهار"

خفَّ سعالٌ تداخل يوماً بين الكلمة والكلمة، مُتعِباً #ريما_مكتبي، مُرغماً إياها على تقطيع الجُمل. كان ذلك قبل أشهر، حين التقينا مصادفة، فمرّ الوقت وأنا أحدّق في عينين زرقاوين بريقهما يقهر الوجع. ثم أطلّت عبر شاشة "العربية" بثوب أبيض يشبه بدايات مشرقة بالفوز والأمل. رافق الإطلالة احتفاءٌ بإرادة عظيمة تغلّبت على الأحزان والآلام وعذابات العلاج، وشوقٌ جماهيري أسعد قلبها. تتكلّم من دون سعال، بصوتٍ واثق، بانتصارات تفوق خيبة العمر معنى وقيمة. بدت العودة مناسبة للحديث عن رحلة تعب وشقاء صنعت ريما مكتبي الإعلامية المجتهدة، الإنسانة الصافية، العِبرة الجميلة. ليس الحظ والمصادفات ما يصنعان أسماء تغيب وتبقى في ذروة حضورها، تتوهّج وإن ابتعدت. بل الكدّ والمهنية ومشاركة الشعوب همومها، والاجتهاد والتعلّم والتواضع ونُبل القلب، وهي جماليات تختزل مكتبي وصدق روحها.

تصف العودة إلى الشاشة بـ"البداية الحلوة"، وتقول لـ"النهار" بأنّ الخروج بأقلّ ضرر من جراحة خطرة (أجرتها في أميركا) يجعل كلّ يوم بمثابة ولادة جديدة. "قررتُ ذلك، منحني الله عودةً من الموت، فكيف لا أشعرُ بنعمه؟ بكلّ تحدٍ أواجهه؟ وكلّ نَفَس يختلط بأنفاس الكون ويتّحد بها؟ تختلف الحياة حين تُصاب صحة المرء بنكبة. ورمٌ دماغي أثّر في أوتاري الصوتية ويدي وكتفي اليمنى. مررتُ بلحظات وجع قاسية، عوض أن تكسرني كسرتها، وعوض أن أيأس تمسّكتُ بالرجاء وأيقنتُ بأنّ المرء إن أراد فستعود له قدراته المتفوّقة والعزيمة والنشاط مضاعفاً".
يفرح القلب بالحبّ والتقدير والوفاء، ومكتبي بتغريدة العودة حوّلت "تويتر" مهرجاناً سعيداً بها. "أنا صحافية، لستُ فنانة أو ممثلة لأمنح الآخرين أخباراً ترفّه عنهم. المهنة تلقّن الواقعية ونقل مَشاهد الحرب والسياسة ومآسي البشر. إنّه عامي العشرون في الصحافة. مررتُ بأربع مؤسسات بينها "النهار" التي أحبّها، كلّها زادتني معلومات وخبرة. "ممنونة" حبّ الناس ومشاركتي بهجة العودة. إنني أمام تحدّي استعادة صحتي كاملة، فأستطيع حينها التغطية في ساحات المعارك وفي المخيمات ويوميات الشعوب المقهورة. الأمر يتطلّب قدرات صحية أراهن على استعادتها وسأنجح. عدتُ لقراءة نشرة الأخبار وسأستمر بكتابة مقالي في موقع "العربية". إنها فرصة لشُكر المؤسسة على الحضن والثقة".

"عليكَ توكلت" ووجه أمي
نُكمل الحديث فنخشى من تعب قد يصيبها، والحمدالله لا تعب. مكتبي قوية بإرادتها قبل جسدها وصفائها قبل أوتار صوتها. "لم أخف الموت. لو أرادني الربّ أن أكون إلى جواره، لكنتُ مستعدّة. قبل دخولي غرفة الجراحة، كتبتُ كلمتين عبر "إنستغرام": "عليكَ توكلت". وجه أمي أعادني إلى الحياة. المصيبة تُعذّب عائلتنا أكثر مما تعذّبنا. عانيتُ الوجع وتحمّلته، لكني لا أستطيع تحمّل رؤيتهم يتعذّبون". تسمو المشاعر وترتقي وتتهذّب، ولا يبقى منها سوى النقي اللّماع، وإن كان الزمن للغدر والخيبة والصدمات. تُخبرنا أنّه راودها إمكان عدم العودة إلى الشاشة، والطبيب هيّأها نفسياً لاحتمال العجز عن الكلام بصوت كامل وابتلاع الطعام. ستة أشهر من العلاج ولحظاته المرّة وتقلُّب أمزجته، ورغم ذلك لم تستقم الأمور كلياً. "أدركُ أنّ الناس لا يريدون مذيعة تدّعي أنّ الحياة جميلة طوال الوقت. هم أيضاً لديهم آلامهم ويقدّرون المعاناة. الحياة لم تكن يوماً كاملة، قبل المرض وبعده، لكنني جهّزتُ نفسي لأدوار أخرى. في مهنتنا، ثمة مَن يقفون إلى جانبنا ويقدّمون لنا الدعم، ومَن لا يكفّون عن محاولة تحطيمنا. الفارق أنني اخترتُ النظرة الإيجابية والتعامل مع الإيجابيين. المرض علّمني الكثير، أولاً أن أستحقّ عيشي. عدتُ إلى مكاتب "العربية" في أيلول، والإدارة ارتأت أنّ أطل في كانون الثاني. في المهنة، أعطي ما أملكُ من طاقات، وفي الآن عينه أؤمن بأنّ أحداً لا يُستغنى عنه وأحداً لا يُخلّد. ثمة دائماً أفكار جديدة وجمال جديد وإبداع وقدرات تبحث عن فرص. بالنسبة إليّ، أعمل بمهنية وشغف وأترك نفسي ومصيري أمام الله. يكفي أنّه لم يُرد لي الذلّ ولعائلتي العذاب. المحبة أعظم نعمة، وكم تغمرني السعادة لشعوري بها".

الآخرون والفرصة الثانية
لا تقدّم مكتبي نفسها مثالية لا تكترث لاحتمال المضايقات والضيق والحسد. نسألها: في مقابل الأخيار ثمة أشرار، وفي مقابل القلوب الطيّبة ثمة المحطِّمون، الكاذبون، متعدّدو الوجوه، أين أنتِ من الخيانة والخيبة والخديعة؟ تجيب بتنهيدة: "بعض الناس لا يرجو خيراً لأحد، يشمت بالمرض، يراكَ في وضعية ضعيفة فيُسارع إلى تحطيمك. هؤلاء لا يعنون لي شيئاً. ينبغي ألا أفكّر بهم مطلقاً. لا أخفي أنهم يتركون في النفس أثراً سلبياً، لكنني أسارع إلى ضبطه والتحكّم به. منذ أشهر لم أقوَ على النهوض من سريري. مررتُ بالأصعب. ماذا بعد؟ مناكفات؟ مضايقات؟ مطبّات؟ شرّ؟ عشتُ ما هو أعمق فبات كلّ شيء أقلّ تأثيراً. لستُ أؤدي دور الواعظ، إنّها طريقة عيش درّبتُ عليها نفسي، وكلما صُدِمتُ بأحد تذكرتُ شيئاً واحداً: الفرصة الثانية. The Second Chance".
على سِيرة الفرص، تعترف مكتبي: "لم تكن طريقي سهلة. ثمة مَن رفض إعطائي فرصة وسدّ الأبواب في وجهي. لا يحدث دائماً أن يؤمن الآخرون بقدراتك. كثر عرقلوا دربي، أخّروني لكنهم لم يجعلوني أتوقّف. قليلون هم الذين يرافقوننا في خُطى الحياة. إنّه درسٌ قاسٍ علينا تعلّمه. اتخذتُ قرارات صعبة وصمّمتُ على صناعة نجاحاتي. عشر سنوات منذ انتقلتُ إلى دبي بقرار لم يكن سهلاً. واجهتُ التحدّيات وواجهتني، وفي الحالتين تُصقَل العزيمة وترتقي النفس إزاء الصغائر. لا يعني الناس تألّمك بسبب المرض. تختلف الوجوه والجنسيات والبلدان والأسماء، وهم لا يختلفون. موجودون من حولك، لكنني ما عدتُ أراهم. تجربة المرض معذّبة، كبّرتني، جعلتني على درجات من النضوج والزهد. السعادة فلسفةُ نظر إلى الحياة وقراءتها. وأنا سعيدة".

"نعم، تزوّجت"
تتفادى مكتبي حديثاً يحشر أنفه في تفاصيل شخصية. تقول بأنّها طوال أعوام في الصحافة، لم تعرّض حياتها الخاصة للفضول والضوء. لكن لا مفرّ من سؤال عن زواجها رغم الميل إلى التكتّم والخصوصية. "نعم، تزوّجتُ عبد الرحمن الراشد (المدير العام السابق لـ"العربية"، الكاتب في "الشرق الأوسط" ورئيس تحريرها السابق) بعد قصّة حبّ جمعتنا، ولا لزوم لأيّ ضجّة، فالزواج موضوع خاص بشريكين. ثمة تفاصيل تخصّ المهنة وأخرى تخصّ أبوابنا المغلقة، منها زواجي. بعد مصير كاد أن يسلبني حياتي، أعدتُ النظر بكثير من العلاقات. حذفتُ البعض وأدخلتُ البعض الآخر. لم يفارقني عبد الرحمن الراشد طوال لحظاتي الصعبة. تشاركنا مراحل المرض والعلاج والتعافي. ما قبلها وبعدها. زواجنا خطوة بديهية تجاه إنسان رافقني في مُرّ الحياة وحلوها، ضمّ العائلتين ومقرّبين على مائدة عشاء في دبي من دون صخب. علّمني المرض تقدير كلّ لحظة وخطوة ونَفَس، وجعلني مُرهفة تجاه أشخاص يستحقّون حبي. تصبح اللحظات ثمينة، حتى فنجان قهوة أرتشفه في صباحاتي، واللهو مع ابن أخي، وتقاسم العُمر مع زوجي. لم أعتد هذه الكلمة بعد، لكنّ معانيها في داخلي عميقة وعظيمة وكبيرة". كِبر قلبكِ يا ريما وهو يتّسع لحبٍ تستحقينه وأيامٍ تعوّض الصبر والانتظار والتحمُّل.
fatima.abdallah@annahar.com.lb
Twitter: @abdallah_fatima

إظهار التعليقات

يلفت موقع النهار الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

Digital solutions by WhiteBeard
Digital solutions by WhiteBeard