الضرير بونين يناضلُ للحصول على عمل... ركّبَ عطراً و"الفيزا" حلمه

10 كانون الثاني 2017 | 10:24

المصدر: "النهار"

قطع الضرير أحمد عبد الجليل نصف عمره باحثا عن عمل يقيه العوز، ويؤمن الأواخر من الأيام وأعوام العمر. همٌ يحمله الأصحاء، والأقوياء، ويقضّ مضاجعهم لما يحمله مجهول السنين الأواخر.

فعبد الجليل كفيف منذ الولادة، ويبدو أن السبب هو عامل وراثي، عائلي، حيث يعاني أكثر من فرد من عائلته بشيء مما يعانيه هو.

وأحمد مثل أي شخص عادي، تمكن من التعلم، والوصول إلى شهادات عالية، حصل عليها من المعاهد المتخصصة بالكفيف، واكتنز طاقة على العمل والانتاج، مثله مثل كثيرين آخرين ممن فقدوا بصرهم، أو لم تزوّدهم به أرحام الامهات، ليس لبخل فيها، وهي المعطاء بسخاء، لكن لعلة لا تتعلق بمهارات الأرحام.

تعلم أحمد، وتثقف، ويبدو أنه جال في عدد كبير من البلدان لأنه يتقن لغات ليست رائجة إلا في ديارها كاليونانية، كما يجيد الانكليزية، ولا يتوانى عن التحدث بها في سياق حديثه، بين عبارة وأخرى، واستقر في بلده ساعياً للعثور على عمل.

من الأمور العادية في بلادنا أن تكون عامةً النظرة الخاطئة لذوي الحاجات الخاصة، والتهرب من مساعدتهم. وذلك ما تعرض له أحمد على أبواب وعتبات كثيرة باحثاً عن عمل، ولم يوفق، على ما روى لـ "النهار".

عشق أحمد البحر، مثل كل أبناء الميناء في #طرابلس. تفاعل معه بعمق، ويتحدث عنه كمولهٍ بحبيب، ويقضي الكثير من الوقت متصارعاً مع أمواجه حيناً، ومداعباً لها أحياناً أخرى. وقصته مع البحر زوّدته بهيام قصصه، فتبنى اسم أحد البحارة الشهيرين "بونين" واتخذه لقباً له، ووشمه بالأزرق الذي لا يزول على جبينه، متوسطاً الجفنين.

حاول أحمد أن يؤسس عملاً له في تركيب العطور، ونجح بذلك، وراح يجول في الشوارع والأحياء، متنقلاً بين الحوانيت التي يمكن أن تعرض منتوجه، أو تبتاعه منه، من دون أن تمنع إعاقته البصرية حركته التي يستخدم عصاه فيها لكشف الطريق، ومنزلقاتها، ونجح في ترويض متعرجاتها، واختلاف ارتفاعاتها، وقطع الشوارع دون مساعدة من أحد. تؤكد حالته أنه كفيّ، فالضرير الذي يسيطر على واقع قد لا يستطيعه الأصحاء، يؤكد صلاحيته للانتاج الجيّد، والقيام بالعمل بوجه تام.

لكن قدر عبد الجليل أنه في بلد يعير ذوي الحاجات الخاصة مجرد الشفقة، ولا يكترث لحل مشكلتهم، وتأمين الحدود الدنيا من حقوقهم.

يعرف أحمد عن نفسه بـ "أحمد بونين"، مستكشف الأنحاء القريبة والبعيدة، ومستلهماً البحار البولندي بونين الذي مخر عباب الأمواج، وذلك ما أراده أحمد كتحدٍ لكل من لم يعره الاهتمام، ممن قصدهم، وطرق ابوابهم باحثاً عن عمل يحفظ الكرامة، ويقي شر التشرد.

أحمد عبد الجليل، أو أحمد بونين يعتبر أن الاسم "مبعث تفاؤل وخير له"، ويقول لـ"النهار": "تعلمت في مدارس المكفوفين، وحصلت على شهادات عليا متخصصة من معهد الضرير في بعبدا، وبعد ذلك، حملت سلاحي، وذهبت إلى كل المرجعيات، وقصدت مجلس الخدمة المدنية، ووزارة الشؤون الاجتماعية وسواها، وقمت بكل ما هو متاح، وممكن لأن أجد حلاً لواقعي، أو أجد فرصة خير، لكن أحداً لم يشأ أن يساعدني".

لغة أحمد لا تختلف كثيراً عن لغة كثير من شباب لبنان، ويقول: "للأسف لم أعد أثق بأحد. أسعى لطريقة لجوء لأي مكان في الدنيا أشعر فيه بالقبول والرحمة والعدالة. وكل طلبي حالياً أن يؤمن لي أحد فيزا لجوء إلى بلد يحترمني، وتؤمن لي فيه حياة كريمة أعيشها"، مستطرداً: "تؤمن لي بحرا أسبح فيه، أو بما يستحقه كل انسان. وأعتقد أن خير الكلام ما قل ودل".

في بلد البطالة المتفاقمة تحت وطأة انتمائه لاقاليم الحروب اللامتناهية، تنتشر البطالة كالنار في الهشيم، وذلك ما عاناه أحمد: "في لبنان، أوصدت الأبواب في وجهي. كنت أبحث عن وظيفة تؤمن حياتي، ومستقبلي. لكن هذا الحلم من سابع المستحيلات. وما أعتمد عليه اليوم هو مساعدات من البعض، وأقوم باهتمامات مختلفة عدة، وأعمل في تركيب عطر، أطلقت عليه اسم بونين نايفي (Ponin Navy)".

"حاولت، ويا للأسف، أن ألاقي نفسي هنا، لكن لم يعرني أحد أي اهتمام"، يختم أحمد كلامه، خالصاً إلى: "يكفي ٥٢سنة شقاء. آمل العثور على طاقة نور، في أي مكان، علّني أفلح حيث فشلت في بلدي".

rolahamid@hotmail.com

إظهار التعليقات

يلفت موقع النهار الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

Digital solutions by WhiteBeard
Digital solutions by WhiteBeard