هل يكسر ترامب المحظور وينقل السفارة الى القدس؟

16 تشرين الثاني 2016 | 20:04

المصدر: "النهار"

الوعد الاميركي بنقل سفارة الولايات المتحدة الى القدس الذي اطلقه دونالد ترامب قبل انتخابه رئيسا ثم أكده معاونوه بعد الانتخابات، ليس جديدا، ذلك ان القضية الفلسطينية تحولت مادة دعائية لكل مسؤول اميركي يريد كسب تأييد اللوبي اليهودي، وكأن هؤلاء ينظرون الى الشعب الفلسطيني كأنه هو الذي يستوطن ارض فلسطين وليس اليهود الذين جاؤوا من كل ارجاء الارض لفعل ذلك.
يتفاعل جدل السفارة في الولايات المتحدة منذ سنوات طويلة، فالرئيس جيرالد فورد أعلن عام 1972 إيمانه أن القدس عاصمة تاريخية وقانونية لإسرائيل٬ ولكنه لم يتمكن٬ بسبب حسابات سياسية٬ من نقل السفارة. واستمرت المحاولات والجدل٬ ورفضت إدارة رونالد ريغان عام ٬1984 تنفيذ طلب شبيه. وبعيد ذلك كرر جميع مرشَّحي الرئاسة الاميركية، الوعد نفسه، لكنهم لم ينفِّذوا ذلك، حتى ان الرئيس بيل كلينتون قال انه "لدينا قطعة أرض جاهزة " لبناء السفارة، لكنه ايضا لم يفعل بدعوى أن التأجيل يخدم مصلحة الأمن الأميركي، فالإدارات الأميركية المتعاقبة دأبت على ارجاء تنفيذ قرار الكونغرس الصادر عام 1995، والقاضي بإلزام الإدارة الأميركية نقل السفارة إلى القدس. ونصّ القانون على أن سفارة الولايات المتحدة في إسرائيل ستُنقَل إلى القدس في موعدٍ لا يتأخر عن 31 أيار 1999، وهو ما لم يحدث.
ويقول مسؤول ملف المفاوضات في السلطة الفلسطينية صائب عريقات في هذا الصدد أن مسألة نقل السفارة الإسرائيلية إلى القدس وعد دائم لرؤساء أميركا أثناء خوضهم الانتخابات الرئاسية، إلا أن الوعد لم يستطع أيّ من الرؤساء السابقين تحقيقه.
وكان صدر عام 1980 قانون أساسي إسرائيلي٬ يعتبر كل القدس عاصمة يهودية. يومها عمدت هولندا٬ الدولة الأوروبية الوحيدة التي كان لها سفارة في القدس٬ الى نقل سفارتها إلى تل أبيب٬ وقالت إنها تلتزم بقرار من الأمم المتحدة يطلب عدم فتح سفارات في القدس. وقدمت إسرائيل تسهيلات ومنحاً مالية لدول صغيرة من أميركا اللاتينية لافتتاح سفارات في القدس٬ وانسحبت هذه السفارات تدريجيا. وعام ٬2006 أقفلت آخر دولتين سفارتيهما في المدينة٬ وهما كوستاريكا٬ والسلفادور.

اما ترامب المتمسك بملف نقل السفارة، فربما يريد أن يثبت للجميع أنه "الأقوى"، وأنه الرئيس الأميركي الوحيد القادر على ذلك، بعد فشل اسلافه في اتخاذ تلك الخطوة وتحمّل نتائجها السلبية على المنطقة بأكملها، على رغم موافقة الكونغرس بشقيه على القرار.
وفي رأي مندوب فلسطين الدائم في الأمم المتحدة، رياض منصور أن وعود ترامب بنقل السفارة ستكون مرحلة صعبة وقاسية للغاية على الفلسطينيين، وفيها انتهاك خطير للغاية للقانون الدولي واتفاق جنيف الرابع وقرارات مجلس الأمن المتعلقة بالقضية الفلسطينية وقرار الجمعية العمومية للأمم المتحدة رقم 181.
وبحسب القانون الدولي تعتبر القدس مدينة محتلة، وعليه تمتنع الدول الكبرى عن نقل سفاراتها إليها، على رغم إصرار الجانب الإسرائيلي على أن القدس العاصمة الموحدة والأبدية لإسرائيل.

وفي رأي الخبراء في الشأن الاسرائيلي انه في حال اقدم ترامب على هذه الخطوة فانه بذلك سيقلب الشرق الأوسط بأكمله، وسيدخل في كل الأبواب التي كان محظوراً دخولها على أي رئيس أميركي من قبله. وستكون بمثابة ضوء أخضر لإسرائيل للاستمرار في الاستيطان بالضفة الغربية والقدس المحتلة، وقد تحذو دول أخرى حذو اميركا إذا ما قرر ترامب بشكل قاطع نقل السفارة. ويذهب الاختصاصي في شؤون القدس عبدالحميد صبري، إلى أن فوز ترامب أعطى دولة الاحتلال والقيادات اليمينية المتطرفة فرصة في إخراج المخططات المرعبة من الأدراج. ويقول: "الأمر لا يتعلق بنقل السفارة، بل بدعم إجراءات على الأرض في المدينة المقدسة وفي البلدة القديمة قلب مدينة القدس، وطرد المقدسيين"، لافتاً إلى أن ترامب يعد مقاومة الفلسطينيين إرهابا وأن القدس عاصمة دولة إسرائيل، ومن حق إسرائيل الدفاع عن أمنها ووجودها. ورأى أن خلاصة ذلك "تغول إسرائيلي جديد والإسراع في تنفيذ ما يسمى بمخطط الهيكل المزعوم وتغيير الواقع التاريخي في المسجد الأقصى".

لكن عددًا من هؤلاء يستبعد ذلك على اعتقاد ان ترامب مثل اسلافه، قد يطبق جزءا من برنامجه الانتخابي ويفشل في تطبيق بقية الأجزاء لا سيما وعوده في شأن القدس، لخطورة الموقف، ولأن القدس الشرقية لم تكن للشعب اليهودي وفق الشرعية الدولية التي رسمت حدود القدس الشرقية بدقة.
وفي اي حال يتعين انتظار الايام المئة الاولى على تولي ترامب السلطة التي يتحدّد خلالها طاقمه ومساعدوه ووزراؤه وبرنامجه الحقيقي، إذ تختلف الرؤية من البيت الأبيض عنها من خارجه. لكن حتى الآن يبدو ان الأخطر من تصريحات ترامب هم أركان حملته الانتخابية والمرشحون لتولي المناصب الرئيسية في إدارته. فالكثير منهم من غلاة المؤيدين لإسرائيل منهم نيوت غينغريتش الذي لا يعترف بوجود شعب فلسطيني، وجون بولتون، ونائبه مايكل بنس الذي يبدو امامه وزير الدفاع الاسرائيلي افيغدور ليبرمان أشبه بحمامة سلام .
كما أن ترامب ليس المشكلة الأساسية الوحيدة بالنسبة للفلسطينيين، بل يكمن جوهر المشكلة في اسرائيل نفسها وفي قادتها بغض النظر عن انتمائهم الحزبي والعقائدي، ذلك ان الرئيس الأميركي المنتهية ولايته باراك أوباما مثلا، ندد بكل القرارات الإسرائيلية المتعلقة بالاستيطان، ومع ذلك فأنه خلال مدة ولايته التي تزامت مع عودة بنيامين نتنياهو إلى رئاسة الحكومة، تضاعف البناء في المستوطنات بشكل رهيب، وخصوصا في المستوطنات الواقعة خارج الكتل الاستيطانية التي تعتبر إسرائيل أنها ستبقى ضمن حدودها في أي اتفاق مستقبلي.

وفي استطاعة القيادة الفلسطينية ان تستخدم سلاح الدفاع عن نفسها وعن حقوقها الوطنية، ديبلوماسيا بالتوجه إلى مجلس الأمن والأمم المتحدة بمواجهة الإدارة الأميركية لمنع خرق القوانين والقرارات الدولية. كما يمكن لفلسطين بصفتها مراقب في الامم المتحدة المطالبة بعقد جلسات طارئة لمجلس الأمن بشكل يومي، وإعادة فتح ملفي "الجدار الفاصل" والمستوطنات من جديد على المستوى الدولي. وتاليا يمكن ارغام إدارة ترامب على استخدام "الفيتو" يوميًا لإسقاط مشاريع قرار فلسطينية ضد إسرائيل.
لكن التعويل على الديبلوماسية وحدها لا يكفي، فالمطلوب اعادة النظر في طبيعة المواجهة والتأسيس لفكر فلسطيني جديد يتجاوز أفكار القيادة الفلسطينية الحالية والسابقة، ويأخذ في الاعتبار العالم المتغير، ولا سيما المستجدات في الاقليم والخريطة الدولية الجديدة وطبيعة التحالفات الجديدة الناشئة او تلك التي يمكن ان تنشئ، ويدرس مستقبل الفلسطينيين كوحدة واحدة ويصوغ برنامج نضالي يتكئ على قدرات الشعب الفلسطيني ونضالاته وتضحياته ليس إلا .
amine.kamourieh@annahar.com.lb
Twiter:@amine_kam

 

إظهار التعليقات

يلفت موقع النهار الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

Digital solutions by WhiteBeard
Digital solutions by WhiteBeard