منذ ستة أعوام وأنا أفقد ذاتي أمام مشاهد الدمار في سوريا

14 تشرين الثاني 2016 | 12:58

(أ ف ب).

لم يتح لي أن أعبّر عن رأيي السياسي لاعتبارات عدة، وبقيت رهينة حبي لبائعي الورود من أطفال الشوارع، ورائحة البؤس التي تفوح من سلال الورد التي يحملونها. انشغلت بهم عن كل ما سواهم، وتفرغت لدراستي على أمل أن أستطيع خدمتهم ببحوثي الاجتماعية ذات يوم، وكان لمخاوف الأهل النصيب الأكبر في عدم انغماسي بعلوم السياسة، والكتابة فيها، يضاف إلى ذلك ما تمليه عليّ غربتي، والسفر، وعبور الحدود التي أصبحت محطات خوف لعابريها، وغير ذلك مما يطول شرحه.

إلاّ أن بعض الكتب التي قرأتها لم تبق لتلك الاعتبارت قيمة في نفسي، منها رواية "القوقعة" لمصطفى خليفة، أجمل ما قرأت من أدب السجون، التي كتبها أحد المعتقلين، أمضى اثنتي عشرة سنة في السجن، من دون أن يعرف التهمة الموجهة إليه! وكذلك رواية "السجينة" للمغربية مليكة أوفقير، تروي قصة سجنها هي وعائلتها مدة عقدين من الزمن، في سجن مهجور في الصحراء المغربية! وكذلك رواية "شرف" للمصري صنع الله ابرهيم، التي كشفت لي عن خفايا السجون المصرية، ورواية "شرق المتوسط" لعبد الرحمن منيف، التي كان موضوعها الاعتقال السياسي والقمع في الدول العربية من دون تحديد لتلك الدول، وغيرها من الكتب التي أدركت من خلالها أن القمع هو القاسم المشترك الأعظم بين الدول العربية، وليس التاريخ واللغة ووحدة المصير كما تعلمنا في المناهج المدرسية. إنه العلامة الفارقة المطبوعة على جبين كل المدن العربية، والمعلقة في الشوارع، على أبواب البيوت، لا بل حتى في غرف نومنا. لذلك ترانا نقمع بعضنا، بذريعة أن للحيطان آذاناً.

بقيت الحال على ما هي عليه إلى أن اطلعت على تجربة #ياسين_الحاج_صالح، السجين والمفكر السياسي الذي حمل اسم مدينتي #الرقة، وكتاباته التي أخذتني من الوصف إلى التحليل، وأبرزها لي "بالخلاص يا شباب"، حيث تناول بالوصف والتحليل غياب ستة عشر عاماً من عمره في عتمة السجون. ياسين الذي لم يكن السجن بالنسبة إليه كما هو بالنسبة لأي سجين، ذاكرة سوداء مخيفة ومرعبة، وإنما أصبح على قوله، المرحلة الأكثر عضوية في حياته، وهو المكان الذي أصبح ذاكرة حميمية، والمحطة التي جعلت الكتابة هي الحامل الموضوعي لشخصيته كمفكر سياسي. فزنزانات الآراء والأفكار والحكايات والصرخات والنهارات المعتمة كانت المواضيع التي ملأت كتبه في ما بعد. تلك الزنزانات التي يتجرد فيها الإنسان من أبسط مقومات إنسانيته، ليصل إلى أقصى الموت، من دون أن يموت، كانت النموذج البلوري الأكثر عرياً لحقيقة الدولة وسلطتها. فتلك السجون تمثل الحالة الأكثر وضوحاً لطبيعة الاستعباد، وتدجين البشر، ومن المؤكد أن هناك الكثير من المساجين لم تتح لهم فرصة كتابة تجاربهم، وغيرهم ممن أصبحت عظامهم ترابا للطين الذي شيدت به الكثير من سجون القمع التي تشهد على انحطاطنا.

بقيت تلك الكتب لتقودنا إلى الكشف عن أصول الاستبداد في مجتمعاتنا. لكن لها مهمة ثانية، مهمة تغييرنا، فالقراءة إضافة إلى وظيفتها التنويرية، ثمة وظيفة أخرى لها، تتجلى في إثارة الأسئلة الوجودية الكبرى. هاتان الوظيفتان تعيدان تشكيل القارئ. من هنا بدأت ثورتي الداخلية على الاستسلام، والخضوع الذي لم أستطع التصالح معه. لم تعد صور المأساة السورية أو غيرها من مآسي الدول العربية صوراً يفيض بها حزني، وإنما أصبحت طاقة تلغي كل الاعتبارات التي تقوم على إلغاء إنسانيتي، حتى وإن كانت تلك الاعتبارات حقيقية ومنطقية.

أعتقد أن المرء إذا استطاع أن يحوز كائنه البشري على صفة إنسان، فآنذاك يستطيع أن يدرك إلى أي حضيض تقوده تلك القيود والأساليب التي تتبعها الدول ذات الأنظمة الشمولية، التي لم تمتلك يوماً صفة الدولة/ الأمة، بل انحازت لمفهوم الدولة/ السلطة، وسعت لامتلاكه بالحديد والنار.

منذ ستة أعوام وأنا أرضخ لاعتبارات تضخم كائني البشري على حساب كائني الإنساني. ستة أعوام وأنا أقمع نفسي بنفسي. ستة أعوام وأنا أفقد ذاتي شيئاً فشيئاً كلما شاهدت دمار بلدي. أفقدني كلما سقطت من شريط الأخبار المدن السورية والأطفال السوريون ودموع الأمهات السوريات وأسكت! ستة أعوام وصور اللاجئين والنازحين تملأ أحلامي بالكوابيس الوطنية. قد أكون قد نجوت من الموت، إلا أن موت صوتي الإنساني أصبح يقض مضجعي، إلى درجة صرت أشعر وكأني على هامش الحياة وليس في متنها. ستة أعوام والقمع يطال صوتي وإنسانيتي وأنوثتي، وأنا أعيش على فتات القرارات والمشاريع والاعتبارات، والخيبات توقد في نفسي ثورتي على نفسي، وها أنا قد أدركت الآن أنها ليست مؤامرة كونية، إنما واقع بالقوة، يحتاج للدفع ليصبح واقعاً بالفعل .

إظهار التعليقات

يلفت موقع النهار الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

Digital solutions by WhiteBeard
Digital solutions by WhiteBeard