أيّ سياسة لترامب في الشرق الأوسط : العصا أم فنّ الصفقة؟

9 تشرين الثاني 2016 | 20:43

المصدر: " النهار"

يدخل الرئيس الاميركي المنتخب دونالد ترامب البيت الأبيض في العشرين من كانون الثاني من دون برنامج سياسي واقتصادي واضح ومفصّل، بل بتعهدات فضفاضة بفك الارتباط بشبكة من التحالفات الدولية يراها مكلفة لبلاده وبإعادة النظر في السياسة الخارجية الأميركية لمواجهة التحديات الاقتصادية الداخلية التي تواجهها واشنطن.
ففي مجال السياسة الخارجية صدرت عن الرجل تصريحات متضاربة خلال الحملة الانتخابية حول عدد من القضايا المرتبطة بالشرق الأوسط. قد تدفع الى التساؤل ما اذا كانت ستدفع بمزيد من الصراعات والتوترات في العالم وخصوصا في منطقتنا، أم أنها ستعمل على الحد منها؟ ثم قبل أن تخرج هذه السياسات إلى حيز الوجود هل ستتنازل مؤسسة السياسة الخارجية والمؤسسة العسكرية الأميركية أمام رغبات الرئيس الجديد إن هو مضى في تنفيذ ما وعد به إبان حملته الانتخابية ؟

ما هي أبرز ملامح تداعيات انتخاب ترامب على قضايا الشرق الأوسط بحسب ما ورد في تصريحاته خلال الحملة الانتخابية وما هي التوقعات او الاحتمالات في أبرزها؟
عموما وعلى مدى فترة طويلة، حازت منطقة الشرق الأوسط على الاهتمام الأكبر للسياسة الخارجية الأميركية، ولكن في الآونة الأخيرة تراجع اهتمام الولايات المتحدة بالمنطقة حيث باتت أكثر اهتماما بمناطق أخرى من العالم، وبالشأن الداخلي الذي لم يتعافَ بعد من وطأة أزمة مالية في 2008، وبسبب عدم الرغبة في التورّط العسكري في المنطقة جراء ما لاقته ادارة الرئيس السابق جورج بوش الابن من نقد داخلي لسياساتها التدخلية عقب أحداث 11 ايلول.

ومع ذلك يظلّ ملف الصراع العربي الاسرائيلي والازمتين السورية والعراقية والحرب على الارهاب على جدول الاهتمام الاميركي.
وبالنسبة الى الازمة السورية فان اهميتها الآن بالنسبة الى واشنطن تنبع من كونها قضية رئيسية في ملف العلاقات الأميركية الروسية أو لتأثيرها على المنطقة ككل، وعلى المصالح الأميركية فيها، إلى جانب ارتباطها بقضايا أخرى كالهجرة واللجوء والإرهاب. وبالنسبة الى ترامب، فإن السبب الرئيسي في ما يحدث في سوريا هو باراك أوباما، الذي أدّت سياساته إلى فراغ في المنطقة وزيادة توسع تنظيم "الدولة الاسلامية" (داعش). وهو يعتبر أن الرئيس السوري بشَّار الأسد أكثر قوة من أوباما، وأثبت أنه أكثر ذكاءً منه، لأنه استعان بروسيا وإيران، مشيرا في الوقت نفسه أن الأسد "سيّئ"، ولكن بديله أسوأ. كما انتقد دعم الولايات المتحدة للمعارضة السورية التي لا يعرفون عنها شيئا: "فلنقل أنه تمّ التخلص من الأسد ومن هذه الحكومة، من ذا الذي سيتولى الحكم بعد ذلك؟ الأشخاص الذين ندعمهم؟ ثم يتحول الوضع ليصير مماثلًا لليبيا؟". كما أكد على دعم التفاوض مع نظام الأسد وعلى فرض منطقة آمنة للسورين. ويشدد على أن السياسة الأميركية تقتضي تنسيقًا أكبر مع روسيا، وهو بذلك أقرب إلى الموقف الروسي ماعدا موافقته على فكرة المناطق الآمنة. ورفض استقبال المزيد من اللاجئين السوريين لأن ذلك "يعرّض أمن الولايات المتحدة للخطر".
"داعش" الخطر الأكبر

ويصور ترامب تنظيم "داعش" على انه من أخطر التنظيمات على أمن الولايات المتحدة حيث انتشر وتمدّد في الشرق الأوسط نتيجة السياسات الخاطئة للولايات المتحدة في ابتعادها عن المنطقة وعدم سيطرتها على النفط فيها، وهو مصدر التمويل الأساسي للتنظيم المتطرّف. وفي هذا الإطار يرى أيضا أنه "علينا التخلّص من تنظيم داعش قبل أن نتخلّص من الأسد، كيف نقاتلهما في الوقت نفسه بينما يقاتلان بعضهما بعضًا؟ أعتقد أن تنظيم "الدولة الإسلامية" يشكل تهديدا أكثر أهمية بكثير بالنسبة إلينا من ذلك الذي يطرحه الأسد في الوقت الراهن".
اسرائيلي أكثر من الاسرائيليين
أما في ما يتعلق بالصراع العربي الإسرائيلي، فيرى ترامب أن الحل "سيرتبط إلى حد كبير بإسرائيل، وبما إذا كانت إسرائيل تريد التوصّل إلى اتفاق أم لا، وما إذا كانت مستعدّة للتضحية ببعض الأشياء أم لا" معتبرا ان "من شأن اتفاق سلام تفرضه الأمم المتحدة أن يشكل كارثة تامّة وكاملة. إذ لن يؤدي سوى إلى المزيد من نزع الشرعية عن إسرائيل، وستكافئ الإرهاب الفلسطيني". ومن هنا يمكن القول إن مواقف الرئيس الجديد لا تختلف كثيرًا عن مواقف أسلافه من حيث الانحياز الكامل للتوجّه الإسرائيلي، لكن من الممكن أن تكون أكثر ضرراً على الموقف العربي بعد تصريحاته العرقية ضد العرب والمسلمين.

إيران ومصير الاتفاق
وتحتل العلاقة مع إيران جانبًا مهمًا في مواقف ترامب، حيث وصف صفقة مع ايران بأنها "شيء مهين" في تاريخ العلاقات بين البلدين. وقال إن "الاتفاق مريع ولن يلتزموا به"، ورأى أن "المفاوضين الإيرانيين قد تفوّقوا على الأميركيين بشكل كبير". ومع انه ندد بتفاصيل الاتفاق النووي، فانه لم يتعهد بإلغائه بل وعد فقط بإعادة التفاوض في شأنه من أجل اتفاق أفضل. لكن هل ستقبل موسكو وبيجينغ وبروكسيل ولندن وباريس وبرلين، الموقّعين ايضا على الاتفاق، بإعادة النظر في هذا الاتفاق لا لسبب إلا لأن تفاصيله لا تروق ترامب؟
جاء الرد الايراني واضحا على لسان الرئيس حسن روحاني، الذي شدد على انه "من غير الممكن" أن يلغي الرئيس الأميركي الاتفاق النووي، ذلك انه "لم يبرم مع دولة واحدة أو حكومة واحدة، بل تمّت المصادقة عليه بموجب قرار صادر عن مجلس الأمن، ومن غير الممكن أن تغيّره حكومة واحدة".
ويعتقد محلّلون اميركيون أن المتشددين في إيران، الذين يفضلون تصعيد المواجهة ضد الغرب، قد تحمّسوا لمعارضة ترامب للاتفاق النووي الإيراني لأنهم يرون انه رهيب لإيران، أكثر من الولايات المتحدة، مثلما يرى ترامب، وفي المقابل فان المفاوضين الايرانيين يفضلون التعامل مع ترامب "المجنون"، عن التعامل مع خصم أكثر دهاء. فهم يرون أنه سيتيح لإيران فرصا أفضل لاستعادة مكانتها في العالم قائلين انه "كلما ازداد عداء ترامب للدول، نظرت تلك الدول لإيران بصورة أفضل".

السعودية وثمن الحماية
ومع محاولة المملكة العربية السعودية فرض نفسها كقوة إقليمية، عبر اضطلاعها بأدوار مباشرة في الحرب في سوريا واليمن وتأثيرها على بعض الأوضاع في المنطقة ، فأن ترامب، أكد أن الولايات المتحدة لا يمكن أن تدافع عن السعودية ما لم تدفع مقابل هذا الدفاع. معتبرا أن السعودية لا تدفع مقابل عادل لقاء الدفاع عنها من الولايات المتحدة ولهذا يجب إلغاء التحالف بين واشنطن والرياض. وإذا كان ترامب يرى أن دول المنطقة يجب أن تدفع مقابلاً عادلاً لقاء دفاع الولايات المتحدة عنها، فإن هذا المقابل العادل قد يكون فرض قبول سعودي بدور إسرائيلي في بعض قضايا المنطقة. او قد يصل إلى أقصاه بتفعيل قانون "جاستا" لمحاسبة السعودية وبعض دول الخليج فيما يخص رعاية الإرهاب، مما قد يؤدي مباشرة إلى تجميد أموال سعودية وخليجية في الغرب، أو حتى مساومة على تحويلها للاستخدام في الحرب على الإرهاب، وللقبول بتوافقات حول قضايا المنطقة أو تحول هذه القضية لأزمة جديدة من أزمات المنطقة.
أما عن رؤيته للدور المصري فثمة آراء مشتركة وأفكار تجمع بين ترامب والرئيس المصري عبد الفتاح السيسي، أبرزها الموقف من جماعة "الإخوان المسلمين"، حيث وصفها ترامب بـ "المتشددة" في خطاب له، متهمًا الادارة الاميركية السابقة بمساعدتها للوصول إلى الحكم على حساب الرئيس حسني مبارك.

"مصالح خاصة" مع تركيا
أما على جانب العلاقات بين الولايات المتحدة وتركيا، فتبدو انقرة قوة إقليمية مؤثرة في خطاب ترامب الذي وجد أن الرئيس رجب طيب أردوغان "قائد ذكي" في طريقة تعامله مع محاولة الانقلاب، ويعتقد أنه بوجود تعاون مع تركيا يمكن للولايات المتحدة التصدّي لتنظيم "داعش". وفي ما يتعلق بقمع الحريات في تركيا التي يمارسها أردوغان وكيفية التحالف معه في ظل هذه الانتهاكات، فيرى أن الولايات المتحدة نفسها تعاني من مشاكل تتعلق بالحريات المدنية، وأنه من الأفضل التركيز علي حماية الحريات المدنية بها، فالولايات المتحدة ليس لديها الحق في تعليم الآخرين ما يتعلق بشؤونهم الداخلية. وبخصوص التحالف مع الأكراد وتركيا في الوقت نفسه على رغم الخلافات الحادة بينهما، فرد ترامب بأنه سوف يسعى لعمل تحالف يجمع بينهما. ويعتقد كثيرون ان تشابك مصالحه الاقتصادية مع بعض الشركات التركية قد يمنعه من تغليب مصالح الولايات المتحدة.
وهكذا فإن توافقًا أميركيا مع روسيا وإيران وتركيا قد يحلّ الأزمة السورية لصالح النظام السوري، عن طريق إبقائه كجزء من عملية سياسية انتقالية. ومثل هذا الحل قد يقوى قبضة النظم السلطوية باعتبارها بديلا عن الفوضى والإرهاب الذي لا تريده أميركا ترامب. كذلك فإن أولوية الحرب على الإرهاب أو ما يسميه ترامب بـ"التطرف الإسلامي" سوف تكون واضحة ما يعني عودة لسياسات الولايات المتحدة عقب 2011، بموقف أكثر تشددًا وأكثر اعتمادًا على الوسائل العسكرية والأمنية المباشرة لتنفيذ السياسة الخارجية، مع تحميل دول المنطقة العبء الأكبر في خطط مواجهة أزمات الإرهاب واللجوء سواء باكتفاء الولايات المتحدة بالدعم الفني والعسكري مع تولي دول المنطقة وعلى رأسها دول الخليج تمويل هذه الخطط، أو بتدخلات عسكرية مباشرة ممولة من دول المنطقة.
وفي رأي متابعين لسجل الرئيس الاميركي الجديد فإن نظرته الى العلاقات الخارجية سوف تتمحور حول "فن الصفقة"، والتي ستنتج عن العديد من المفاوضات الجادة مشيرين مثلا الى أن رفضه للاتفاق النووي الإيراني، يرجع إلى أنه لا يقدم مزايا اقتصادية للشركات الأميركية على الدول الأوروبية أو روسيا، ما يثبت أن رفضه للصفقة يرجع إلى شأن اقتصادي أكثر منه فكري. وهذا الرجل يعتبر ان حل المشاكل الفكرية تطلب تسويات سياسية مستحيلة، ويعتقد البعض انه سيكون أقل تماشيًا مع المواقف الإيديولوجية التقليدية للولايات المتحدة ازاء الخصوم السابقين، وسيبدي مزيدًا من المرونة في شأن عقد الصفقات الإقليمية. لكنه إذا سعى كما يقول الى عزل حلفاء للولايات المتحدة في العالم، فقد يتسبّب ذلك في إرضاء دول وزعماء، ولكنه لن يجعل أميركا أقوى.
amine.kamourieh@annahar.com.lb
Twiter:@amine_kam

 

إظهار التعليقات

يلفت موقع النهار الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

Digital solutions by WhiteBeard
Digital solutions by WhiteBeard