القصر والرئاسة... هل نتذكر ميشال عون 1989؟

15 تشرين الأول 2016 | 18:13

المصدر: النهار

لا تطابق الوقائع الرئاسية اليوم حال البلد في عام 1989. فليس الإنتخاب هو الذي يحكم موقع رئيس الجمهورية، وفق تداول مصطلح الإنتخاب الطبيعي الذي يسمح بإيصال الرئيس سياسياً الى الموقع اللبناني الأول. وللمقارنة أيضاً ليس هذا الموقع هو نفسه عندما تمترس الجنرال ميشال عون في قصر بعبدا رئيساً لحكومة عسكرية، كان خلالها لبنان يمر بأخطر أزماته، وليس أيضاً العامل الإقليمي هو نفسه. لذا، نتذكر أن ميشال عون قائد الجيش أنذاك كان يمسك بأوراق في البيئة المسيحية وتوازن إقليمي، سمحا له بالصمود في القصر، على رغم الصراع مع "القوات اللبنانية" أنذاك، إلى أن فعلت كلمة السر الإقليمية والدولية فعلها، فخرج ومعه دخل لبنان في مرحلة جديدة من التوازنات حكمتها صراعات إقليمية، ولم يستطع إتفاق الطائف أن يحقق للبنانيين أماناً واستقراراً ونظاماً تحكمه القوانين، يستند الى تبادل السلطة.

انزلق البلد بعد عام 1989 الى صراعات أهلية وداخل البيت الواحد، فيما تمكنت سلطة الوصاية، طوال 15 عاماً، من حكم لبنان بتغطية دولية، فكان موقع رئاسة الجمهورية يقرر وفقاً لطبيعة الهيمنة الإقليمية وتسوياتها، فيما الفرقاء المحليين يلتزمون بما يتقرر في الخارج. أما اليوم، فيبدو الحديث عن الموقع اللبناني الأول سياسياً، غير مطابق لواقع الحال في الحياة اللبنانية الراهنة وأيامها التي يدور فيها جدل وشد حبال بعنوان ترئيس شخص محدد. فتصدر مجدداً إسم النائب ميشال عون، وتراجع إسم النائب سليمان فرنجية، وخرجت أسماء أخرى من التداول، فصار الإسم محدداً، وكأننا نشهد عملية تعيين للموقع اللبناني الأول لشخصية يجب أن تكون في العادة مسؤولة عن الشؤون الوطنية في حال وصلت الى سدة المسؤولية. والحال أن انتخاب الرئيس الذي يأتي عادة من خلال دعم إئتلاف سياسي يمثل مصالح سياسية واجتماعية، ما عاد قاعدة في لبنان، لأن الإئتلاف يكون له برنامج موحد، فكيف تدعم قوى متناقضة في السياسة والبرامج شخصية كإسم العماد عون، وهي بالتأكيد ستختلف بعد انتخابه إذا حصل، ولن يتمكن أصلاً من تنفيذ برنامج موحد لإئتلافات متناقضة، إذا كنا نتحدث على مقلبي 8 و14 أذار.

ولعل ما يحصل في موضوع انتخاب رئيس الجمهورية، لا يتطابق مع مراحل سابقة لهذا الاستحقاق. وليس الفراغ والأزمة في عام 1989 مثالاً لما مر فيه الواقع اللبناني في كل محطاته وحقبات الصراع فيه. فما يواجه الوضع اللبناني في ملف الإستحقاق الرئاسي، يدرج في دائرة تعيين الرئيس أكثر ممن الإنتخاب، فإما القبول بالمرشح الأول الذي يمثل أكثرية المسيحيين كمخرج للأزمة وتجاوزاً للتعطيل، أو أن مخالفة هذا الأمر قد يعرض البلد الى مزيد من الأخطار، وربما خضّات لن يكون قادراً على الخروج منها.
وليس مبالغاً القول، أن ما يجري في الإستحقال الرئاسي، وطرح إسم الجنرال ميشال عون كمخرج وحيد للأزمة، يشبه الى حد بعيد قرار التعيين للوصول الى قصر بعبدا. فنشهد ابتعاداً من أحكام الصيغة اللبنانية بدرجة فاقعة، حتى عندما كانت الحرب الأهلية تدفع بالطوائف اللبنانية الى جهرها بمطالبها وحقوقها من الكيان، إذ أن السياسات الرئاسية اللبنانية ظلت سابقاً متناغمة مع الصيغة وميثاقيتها، الى أن خرج الإنتظام الوطني اللبناني اليوم عنها، ولم يعد هناك من يتنبه كثيراً لمقتضيات الصيغة، فنجد هذا الشكل من الترشيح، علماً أنه كان يمكن لمرشح بوزن النائب ميشال عون أن يخرج من الشرنقة الضيقة وخطاب مشروعه الذي يقول فيه أنه سيحفظ حقوق المسيحيين، وسينتزع صلاحيات تنفيذية تعيد إلى موقع الرئاسة نفوذه وحضوره. وهو أمر دفع بقواعد أهلية طائفية أخرى الى الإستنفار في محاولة لحفظ مصالح طائفياتها.

المرشح ميشال عون عام 1989، هو غيره المرشح اليوم. في ذلك الوقت كان يخاطب جمهوراً مختلفاً ويحمل مشروعاً مغايراً، وينطق بلغة أخرى. اليوم يظهر من حيثيات ترشيح عون أن لو صار رئيساً سيبقى حليفاً لـ "المقاومة" ولـ "حزب الله" وسيظل في موقع الداعم لمحور الممانعة، ما يعني أنه سيكون، انطلاقاً من هذه الحيثيات، على خصومة سياسية وربما متفجرة مع أكثر من بلد عربي. ولو افترضنا أنه نال الرضى والتأييد من فئات أهلية لبنانية أخرى تختلف معه، كـ "تيار المستقبل" مثلاً، فإن مجمل خطابه الممانع قد يؤدي الى الى مزيد من الانقسام بين اللبنانيين، ويستنفران عصبيات تحت عنوان الدفاع الذاتي لقوى أخرى وازنة طائفياً وسياسياً في البلد.
قد يستلزم الأمر ضبط إيقاع ذاتي، وضابط إيقاع إقليمي يدير توازنات إنجاز استحق رئاسة الجمهورية، والجمهورية أيضاً، ولذا، التحدي أمام ميشال عون أن يعيد الاعتبار الى معنى المرشح الجمهوري، قبل أن يقول البعض علناً أن التعيين لا يفيد البلد ولا يؤدي الى استقراره!

ibrahim.haidar@annahar.com.lb
twitter: @ihaidar62

إظهار التعليقات

يلفت موقع النهار الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

Digital solutions by WhiteBeard
Digital solutions by WhiteBeard