الوقِح ترامب فاز على كلينتون المحترَمة

10 تشرين الأول 2016 | 13:27

المصدر: "النهار"

(أ ف ب).

شاهدتُ مناظرة هيلاري #كلينتون ودونالد #ترامب الثانية فجر اليوم بتوقيت بيروت. وسمعتُ صباحا نتائج استطلاع الـ"سي إن إن" حول من فاز فيها، وهي نسبة 57 بالماية لصالح كلينتون، 34 بالماية لصالح ترامب. أضع أكثر من علامة استفهام على هذه النتيجة بمعزل عن إعجابي الدائم بمستوى وتجربة السيدة كلينتون. بل حتى بمعزل عن أنني أعتبر إجاباتها أذكى وأرصن وأكثر خبرة من إجابات السيد ترامب. لكن هذا شيء مختلف عمّن تفوّق على الأرجح هذه المرة بعد المناظرة الأولى التي ظهرت محسومةً لصالح كلينتون.

لماذا تفوَّق ترامب؟
لأنه كان أكثر هجوميةً ومبادرةً تعبيرية حتى في الملفات التي تنقصه فيها ليس فقط المعلومات بل حتى الالتزام الأخلاقي مع الفقراء مثل موضوع الرعاية الصحية أو ما أصبح يُعرف بـ"أوباما كاير". ونجح رغم وصوله في الأيام القليلة السابقة لهذه المناظرة إلى حضيض السمعة الاحتقارية للنساء بعد كشف الفيديو الأخير. وبعد كشف الـ"نيويورك تايمز" أنه لم يدفع ضرائبه لمدة سنوات على أساس بيانات قدمها عن خسارة شركاته لمئات ملايين الدولارات.
بدل أن يكون في الدفاع نجح في معظم أجزاء المناظرة في وضع منافسته في الدفاع. صحيح أن ذلك حصل على طريقته الديماغوجية ولكنه أرغم كلينتون على الابتعاد عن المواضيع المتَهَم بها. حتى أنه وهو البيليونير الذي لم يدفع ضرائب بمئات ملايين الدولارات في بلد مثل أميركا يمكن لمواطن عادي من الطبقة الوسطى أن يدخل إلى السجن بسبب عدم تسديده ضرائب ببضعة آلاف من الدولارات... نجح في أن يضرب ضربته الأكثر إثارة في كل المناظرة عندما قال لكلينتون "ستدخلين إلى السجن". وتحظى الآن هذه الجملة باهتمام استثنائي إعلامي. أليس نجاحا أن يتمكن شخص متهم بأفعال أخلاقية ومالية من أن يحوّل ، ولو بوقاحة، منافستَهُ المتهمة بالتقصير في موضوع استخدام البريد الإلكتروني الشخصي لكتابة رسائل تتعلق بعملها العام أيام كانت وزيرة الخارجية، أن يحولها إلى مهددة بالسجن وهذا تهديد لا سابق له في كل تاريخ المنافسات الرئاسية الأميركية حسب إجماع كل المعلِّقين على شاشات التلفزة الأميركية هذا الصباح؟ مع العلم أنه أعاد فتح ملفات "الزوج" بيل كلينتون النسائية.

تنطبق معادلة تفوّقِ ترامب في تحويل ملفات يجب أن يكون فيها في الدفاع إلى هجوم على كلينتون على مسألة روسيا. جددت كلينتون اتهام روسيا بأنها تريد ترامب رئيسا فرد في الحديث عن "داعش" ومسؤولية السياسة الأميركية الخارجية "البلهاء" في الشرق الأوسط وفي سوريا والعراق، هذا مع العلم أن كلينتون، بعيدا عن ديماغوجيا منافسها، الذي صار عدوها، كشفت أو أكدت أن خطة مواجهة "داعش" ستبدأ في الموصل ثم تنتقل إلى الرقة في مرحلة لاحقة. وشدّدت على دور السنّة العراقيين والأكراد بشكل عام في التسليح والمواجهة. لم تذكر تركيا ولكنها تحدثت في نقدها لكلام ترامب عن المسلمين على ضرورة عدم تنفير حلفاء أميركا في الشرق الأوسط بكلام ضد الإسلام عموما وليس تحديدا ضد الإرهابيين.

كان ترامب فعلا وبشكل وقح يهاجم من دون هوادة ويعتمد طريقة جسدية متواصلة الحركة والانتقال من مكان إلى آخر في مواجهة كلينتون وكأنه كان يعتمد على ضخامته الجسدية أمام كلينتون. كلينتون جاءت على ذكر نجاح محمد علي كلاي، الملاكم الشهير، كمثال على بعض نجاحات المسلمين الأميركيين الذين يستفزهم ترامب. الطريف هنا، إذا جازت لي هذه المقارنة، أن ترامب في حركته الجسدية الدائمة الانتقال على المسرح كان يقلّد الطريقة الشهيرة للملاكم كلاي في الدوران الدائم( والراقص) حول المنافس على الخشبة بينما كان تحرك كلينتون رصينا ومدروسا بين مقعدها وبين المجموعة المختارة من الجمهور الموجودة على المسرح حين يجري توجيه سؤال لها.

في إحدى مراحل النقاش الثنائي ذكّرها ترامب بأنها استشهدت بكلام مبهم عن دور الرئيس ابراهام لينكولن مع الكونغرس فشرحت كلينتون أنها تحدثت عن الوسائل الإقناعية المختلفة للكونغرس بعد حضورها الفيلم الهوليودي "لينكولن" لمخرجه ستيفن سبيلبرغ واعتبارها بالتالي أنه يمكن أن تكون هناك مبررات مختلفة لسياسة واحدة. يجب أن نشير هنا إلى أن أهمية الفيلم المذكور أنه كشف كيف أن لينكولن استخدم كل أنواع الإغراء حتى المادي أو الرشوة لبعض أعضاء الكونغرس الذين كانوا غير مؤيدين لقانون إنهاء العبودية. كان بإمكان المجموعة المعارضة أن تمنع إقرار هذا القانون. المسألة هنا تتعلق بقضية كبيرة يثيرها فيلم سبيلبرغ هي هل يجوز للغاية النبيلة أن تبرر الوسيلة الدنيئة؟

في معظم الملفات كانت هيلاري كلينتون "امرأة الدولة" الحقيقية ولم يكن ترامب "رجل الدولة". لكن تفوقه ظهر في كونه فرض جوا هجوميا قاسيا رغم أن كلينتون لم تتردد مرارا في اعتباره غير مؤهل لدور الرئيس. حتى أن إحدى المعلقات الأميركيات سمحت لنفسها أن تستنتج أن ترامب تكلم بلغة الناس العاديين ضد كلينتون كممثلة "نخبة واشنطن". لا أظن هذا صحيحا بشكل كامل لأن كلينتون في مواضيع فرض الضرائب على الأغنياء والعنصرية والرعاية الصحية تخاطب أيضا مزاجا شعبيا في الطبقة الوسطى الواسعة حتى أنها ذكّرت بالشعبية التي كانت لديها بين الشباب حين ترشحت للمرة الثانية عن مقعد سيناتور في نيويورك. وهذه فئة واسعة، خصوصا بين الشباب البيض من الطبقات المتعلمة والوسطى هي التي رجحت فوز الرئيس باراك أوباما خصوصا في الولاية الأولى.

لكن على المستوى الشعبي، أو الشعبوي، لا شك أن أداء ترامب كان أقوى. بل حتى ربما أعاد إقناع الحزب الجمهوري بقدرته على المواجهة وهو الحزب الذي رغم ترشيحه لترامب شهد تزايد قياداته وشخصياته التي باتت تعارض ترامب.

تفوّقَ ترامب و"تسلّط" مرار على النقاش، لكن التمني الأوسع في العالم هو أن أميركا المحترمة المتنوعة ستنتخب كلينتون حتى لو أنها لم تقدم جوابا مقنعا في موضوع التأخر الأميركي المريب في القضاء على داعش.

jihad.elzein@annahar.com.lb
Twitter: @ j_elzein

مزرعة "TerrAyoun" في جبل صنين: مسكن ملوّن في أرض الأحلام

إظهار التعليقات

يلفت موقع النهار الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

Digital solutions by WhiteBeard
Digital solutions by WhiteBeard