خطفوا منّي الـ"فايسبوك"

22 أيلول 2016 | 19:14

المصدر: "النهار"

بالمطلق "فايسبوك" مشوار ترفيهي مع الاصدقاء ان كان لدينا، او في الحد الادنى مع المعارف من كل الاجناس شرط ان يكونوا مثقفين ومن ذوي العطاءات الفنية والانسانية وطبعا التسامحية مهما كانت الديانات والمعتقدات والانتماءات.

انا اليوم أشعر بأنني فقدت شيئا مؤثراً في حياتي اليوميّة، عندما أنهيت كل اهتماماتي المهنية وانتقلت الى مرحلة الاحتفال بالتلاقي في مرحلة نزهة بين القارات، بفضل المعرفة والمحبة والثقافة وطبعا العلاقات التي تنطلق من احترام حرية الفكر والانتماء والقرار.
المرحلة التي تعتبر نزهة وتبادل آراء في "فايسبوك"، تستحق أوقاتًا نوفّرها كلما تسنّت لنا الفرصة للقيام بها. نتبادل الافكار. ننشر مقابلاتنا. نصوّر أعمالنا. نسلم على الاصدقاء والمعارف. نهنّئ ونعزّي وكأننا أفراد من عائلة فرحت أو حزنت، ولا حاجة لتحليش الشعر والتباهي في لبس حلّة الحزن ولا في ترداد كلمات التحدّي التي ترافق الاموات الشباب الذين يغادرون بلا رجعة.

نبكي ونفرح. نثور او نترحّم او ننتفض.
لكننا نبقى نتعلق بالتبادل مهما كانت الصعاب.

اختراع "فايسبوك" حلّ مكان الوشوشات تحت المخدّة عبر التلفون الثابت. أما الصمت والخداع والكذب وكل شيء فمرهون بالأحداث التي تتوالى عبر الايام والحاجات والجروح والآهات والمناجات بين واحد وواحدة. ونقطة على السطر.
عندما كنّا في العاشرة من عمرنا- يا أبي كم هي بعيدة تلك المرحلة- كانت الراهبات المراقبات في الملعب في دير القمر يصرخن كلما شاهدن بنتَين تمرّان واضعتين اليدين على أكتاف بعضهن: " Deux à deux, le diable au milieu".
واذا سمِعننا نتكلّم بالعربية، كنّ يفرضنَ علينا السينيال، اي ما يوازي كتابة 50 سطراً من جملة:"Je dois parler en francais" مثلاً، أو شيئًا من قبيل ذلك. نسيت صراحة نصّ القصاص ولكن طعمته لا تزال "تحت أضراسي"، كما يقول المثل.
واليوم أعرف الاتصال المباشر والمفتوح مع القارات الخمس. وقد تعرّفت عليه ما ان انتهت الحرب، وما إن كادت ايام البلوغ تنتهي. فتميزنا بانتقالنا الى "فايسبوك".
كم انا محظوظة!
عشت حتى أتعرّف على وسائل التعارف بين أحفادي ورفاقهم وأحبائهم، وأغتنم الفرص لأنضمّ الى قافلة المستفيدين من وسائل الحداثة في التواصل البشري والانساني.
ما اكتشفتُه في "فايسبوك" أفضل من البلوغ. أنشر مقالًا. ويأتيني الموقف بسرعة ومن الجهات الاربع.
أرى حفيدي في مناسبة وأرى صديقةً تعرّفت عليها في البلوغ، عام 2006 ، وما زلت أتواصل معها لغاية اليوم.
مثلًا في الصباح. ترسم إشارة على وجهك. تفتح الكمبيوتر. تبحث عن أخبار حديثة في كل مجال. تتأمّل، ترف الجفون، تبكي، تثور، تحنّ، ترفض، تغضب، ترثي، تضحك اوتفتتح يومك بملاقاة الأشخاص الذين تحبّ. تطمئنّ عليهم، تمازحهم بكلمات مقتضبة. وتبدأ يومك.
يوم سبت ظهراً، غاب صديقي ومفتاح ترفيهي وملاقاة أصدقائي!
مات "فايسبوك"!
من قال إنه مرض العصر أخطأ.
ضعت.
كيف أُمضي أوقاتي من الآن ولغاية يوم الاثنين؟
رُكبت صفحة جديدة باسمي، ولكن لم ألتق بالموقع الأصلي. أصبحت أقرأ أخباري القديمة عبر موقع جديد باسمي يسألني: "ماذا تقولين للور غريب...؟"
جنِنتُ. لور غريب تقبل او ترفض المحادثة مع لور غريب لا أعرف من هي.
الموافقة على الدعوات تنهال من كلّ جنب.
وانا لا أزال ألهث وراء الصورة التي تمثّلني، وابني مازن ينحني فوقي ليُقبّلني في افتتاح معرضٍ لنا معًا.
دخيلكم أعيدوا إليّ فرصة، اليوم عندما تنتهي مهمّتنا المهنيّة، واتركوا لنا حرية اختيار لحظات التنزّه مع المعارف والمحبّين والاصدقاء رغم قلّتهم.
اعيدوا إليّ الـ"فايسبوك".
واستجاب القدر.

Laure.ghorayeb@annahar.com.lb

 

إظهار التعليقات

يلفت موقع النهار الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

Digital solutions by WhiteBeard
Digital solutions by WhiteBeard