البندقية ٧٣ – "جبل" أمير نادري يتحدى المستحيل!

6 أيلول 2016 | 22:55

أمير نادري سينمائي مغامر. فيلمه الجديد، "جبل"، دليل على شغفه المتمثل في البحث عمّا يملأ رئتيه. بعد فيلم في اليابان ("قطع" - 2011)، قال فيه حبه للسينما، يعود بفيلم صوّره هذه المرة في ايطاليا، على ارتفاع 2500 متر عن سطح الأرض. قبل هذا كله، يجب ألا ننسى انه من أصل ايراني يعيش ويصوّر في الولايات المتحدة، وفي البندقية شاهدنا له السنة الماضية وثائقياً- مقابلة من 3 ساعات عن المخرج الراحل آرثر بن. حبّ السينما يشغله منذ سنوات، وهذا كاف ليستحق الجائزة الفخرية ("جاغر - لو كولتر") التي أسندت إليه أمس. جائزة معروفة بإسم "المجد للسينمائي"، نالها قبله كلّ من الياباني تاكيشي كيتانو (من بلده السينمائي المفضّل) وبراين دو بالما. للمناسبة، الـ"موسترا" هذه السنة، وكما صار رائجاً في المهرجانات الأخرى أيضاً، كوكتيل من اللغات. ايرانية تصوّر بالانكليزية، أميركي (من أصل ايراني) يصوّر بالايطالية. أما المصادفة اللغوية الأكثر ظرافة فهي تلك الحاصلة بين فيم فندرز وفرنسوا أوزون. المخرج الألماني صوّر فيلماً بالفرنسية، فيما الفرنسي صورّ فيلماً بالألمانية.

عودة إلى الفيلم - موضوع المقال: "جبل" (خارج المسابقة). هذا واحد من أكثر الأعمال غرابة، متوالد أصلاً من مشروع غريب. حكاية عائلة، الزوج والزوجة والابن، تعيش في أحد الجبال الملعونة تاريخياً. الكلّ يعرف عن هذه اللعنة ويتناقلونها جيلاًبعد جيل، لكن تربطهم بالأرض الذاكرة والتاريخ وقبور الأجداد الذين دُفنوا هناك. يُفتتح الفيلم بمشهد دفن بديع: العائلة تقوم بمراسم دفن صغيرتها. ثم، دفعة من الناس الذين قرروا الرحيل من الأرض نهائياً؛ لقد ضاقوا ذرعاً بهذه الأحوال البائسة التي يعيشون في ظلها. فالجبل الذي نتحدث عنه هو عبارة عن منطقة صخرية قاسية جداً، أرض مقفرة لا ينبت فيها أي شيء. طبيعة جافة تنعكس على وجوه الشخصيات وفي طباعهم. لا شمس، بل ضباب طوال العام. يتشرب الفيلم بصرياً وسردياً من هذا المكان. إلى هذا، الشريط الصوتي المشبّع بتأوهات الطبيعة وغضبها، تعبيراً عن الغضب والكآبة والموت والجنون واليأس. مع ذلك، تقرر العائلة الصغيرة البقاء، فهناك في باحة المنزل تحت التراب، الابنة النائمة إلى الأبد. لكن للصبر حدوداً...!
يحاول الزوج، جيوفاني، بشتى الطرق، أن يجد مصدراً للعيش. يحاول بيع بعض الأعمال اليدوية في القرية المجاورة. الا ان أهلها يعرفونه من سكان الجبل الملعون فيرفضون وجوده بينهم. محاولة ثم أخرى، فيجن جنون جيوفاني، ليبدأ من بعدها مغامرة غير متوقعة: يريد تحطيم الجبل وتفتيت كلّ حبة تراب منه. النصف الثاني للفيلم ليس سوى عملية التحطيم هذه. يضرب ثمّ يضرب ويضرب، من دون أن يهتز الجبل من مكانه. أجديٌّ هو في قراره هذا بتفتيت ملايين الأطنان من الصخر الذي تجثم فوق صدره؟ الفيلم، المقلّ كلاماً والقوي بصرياً، لا يمنح أي جواب. بل يغيب الكلام كلياً في النص الثاني، وتنقطع أي وسيلة تواصل بيننا وبين الثلاثة. نراهم منهمكين في مهمتهم الاستعارية، ولا شيء آخر! انه الغضب، غضب سنوات طويلة يخرج فجأة، غضب براكين...
لا توصيف يمكن الافصاح به عمّا سنراه من اصرار عند جيوفاني. فكلمة مستحيل تأخد صدى آخر تحت آلة الهدم التي يمسكها في يده. على غرار بطل "فيغاس: مقتبس من قصة حقيقية" الذي كان يحفر في حديقة منزله بحثاً عن كنز دُفن فيها قبل سنوات، فإن البحث عن الشمس التي لا حياة من دونها، هو الذي يحمل بطلنا المضاد إلى واحدة من أروع التيمات في السينما: عبثية الجهد المبذول.

إظهار التعليقات

يلفت موقع النهار الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

Digital solutions by WhiteBeard
Digital solutions by WhiteBeard