إسقاط تمثال صدام حسين في بغداد. (الأرشيف)

عدا بعض الإستشهادات الرسمية الخاصة بالعمل الداخلي للحكومة، لم أقرأ في تقرير جون شيلكوت أيّ جديد. فالحرب في #العراق عرضةٌ لتحاليل لا تحصى، ولم يخفّف الزمن من الإنفعال المرافق لها على دفَّتي خلاف عميق في العالم.

الإنفعال شديد في كلٍّ منّا، بما فيه عبدكم الحقير كاتب هذه السطور. لن يخفّف تقرير شيلكوت من قناعة من يرى الشرّ المطلق في سياسة بلير وبوش، وأولهم على الدفَّة المعادية لها رئيس أميركا الحالي. لَمَا حَلِم باراك أوباما برئاسة الولايات المتحدة أصلاً لولا موقفه من حرب العراق، حين كان مسؤولاً مغموراً في ولاية أوهايو تصدّى وحده جهاراً لسياسة الولايات المتحدة المؤدية الى الحرب. أجد نفسي في فريق الدَّفة المقابلة، مع جمهور العراقيين الواسع الذين عملوا جاهدين لتنحية صدام حسين من السلطة، فكان بوش وبلير من حرَّرهم من إستبداد البعث الصدّامي في النهاية. وفي الإنفعال المتجدّد بنشر تقرير شيلكوت، رأيت نفسي كاتباً تغريدةً تسجّل للتاريخ أن بوش وبلير يستحقان تمثالاً في وسط بغداد على منوال تمثال كلينتون في عاصمة كوسوفو.
هذا لا يعني أنني لا أقدِّر التبعات والمناحي السيئة الكثيرة في السياسة الأميركية - البريطانية في العراق، وأنه لا اختلاج شديد للشكوك في صحَّة مواقفي، ولو أخالني كنت متماسكاً في انضمامي الى التظاهرات المناوئة للحرب في شوارع بروكسيل في شباط 2003. ورغم كل هذه الشكوك فكنت ولا أزال مقتنعاً أنه كان حقاً أبلج للعراقيين أن يتخلصوا من مستبدّ فريد من نوعه في التاريخ، وأنهم لم يكونوا قادرين على التخلص منه وحدهم.

يكفي أن نتصور صدام أو عدي حسين في الحكم عام 2016. ولا نَغُرَّنّ أنفسنا، فإن صدام أو عدي قابعٌ في الحكم متربِّعٌ على الكرسي اليوم لولا حرب بوش وبلير عليه. وبالنظر الى أقرب الحالات المماثلة في المنطقة، وهي حالة آل الأسد في دمشق، أدعو أصدقائي السوريين ومئات الملايين من مناصريهم في العالم، أن يستبدلوا صدام وعدي بحافظ وبشار، وأن يتساءلوا عما إذا كانوا مستعدّين على إقامة تمثال لِمَنْ في العالم يخلّصهم من كابوسهم المعاش، أم لا.
صحيح في اعتبارٍ عقلاني أن أموراً كثيرة كان من المكن أن تكون مختلفة في العراق وأن السياسة الأميركية البريطانية مخطئة في نواح كثيرة منها. أولاً في السير الى الحرب، لماّ قدَّمت إدارة بوش حجَّة سلاح الدمار الشامل رغم ما كان رئيسها مقتنعاً فعلاً به، وهي قناعة عبَّر عنها تقرير شيلكوت في أقوال نَسَبَها الى بلير: "صدام وحش". "نظامه عاتٍ ولا إنساني". "زواله من شأنه تحرير المنطقة". وكان طبعاً مناصرو صدام وراء التمسك بحجة سلاح الدمار الشامل، وبالأخص آنذاك شيراك وبوتين، وقد جهدا دائبين بتلفيقات مستقاة من القانون الدولي للمحافظة على مراقبي أسلحة الدمار الشامل مشغولين الى الأبد بالتفاصيل، فيما صدام باقٍ في الحكم يتلطى وراء قانون دولي لم يعنِ له شيئاً في حياته.

وكنا، مجرّد ثلة من الأصدقاء الباحثين عن حلٍّ آخر، قد طرحنا في مطلع شباط 2006 على هذه الصفحة بالذات في "النهار"، وفي "الدايلي ستار"، وفي "رويترز" وعلى شاشة الـ"سي أن أن"، ما عُرِف بمبادرة العراق الديموقراطي. وفي المبادرة التركيز على لا إنسانية حُكم صدام سبباً وافياً لتنحيته قسراً، فوضعنا مسوَدّة لمجلس الأمن تنزع الشرعية عن رجلٍ كان قد خرق قرارات كثيرة لمجلس الأمن، وطلبنا من الأمم المتحدة وجامعة الدول العربية في المبادرة ذاتها أن تنشر بالتزامن مع رحيله مراقبين لحقوق الإنسان للمساعدة على إرساء بذور الديموقراطية في مجتمع مزَّقته أربعة عقود من الإستبداد. ووصلت المبادرة الى قلب وزارة الدفاع الأميركية في أول أيام آذار. لكنّها قوِّضت مجدداً من الأطراف الأوروبية المساندة للحاكم العراقي، كما من البعض القصير النظر في الحكومة الأميركية ممَّن كانوا أصلاً وراء تقديم أسلحة الدمار الشامل سبباً للإجتياح.

أسلحة الدمار الشامل كانت أسوأ الحجج، وأشدّ الأمور غرابةً موقفُ صدام حسين منها، تعبِّر عنه التفاتة لجاك سترو في تقرير شيلكوت عن عجيب "تصرّف صدام بشكل يدَمِّره الى هذا الحدّ في الإيحاء المستمرّ بأنه يملك أسلحة محظورة في حين لم يكن يملكها". وقد يكون الجواب أسهل من السؤال، لأن هذا ما يفعله الطغاة. فالطاغية لا يجوز له أن يبدو ضعيفاً أمام الملأ، لأنه يعلم أن غرماءه في الحكم، والشعب عموماً، ينقضّون عليه فور تظاهره بالضعف. لا مجال للمستبدّ أن يبدو يوماً في موطن الوهن.
وعلى أي حال، تبعت عاصفة الصحراء الثانية عاصفة صحراء أولى سبقتها في العراق في عام 1991، أرغمت صدام على الرحيل هذه المرة، فانتهى في الكهف الذي يليق بأمثاله.

كثيرون يعيبون أيضاً معالجة المرحلة ما بعد الإجتياح. هي أيضاً كان من الممكن أن تكون مختلفة. المشكلة الأولى في تركيب القانون الدولي، ووضع "الإحتلال" صفةً قانونية للحالة العراقية الجديدة، أدخلتها خِلْسَةً أمانةٌ عامة في الأمم المتحدة كانت تكرَهُ تهميشها في العراق.
وهكذا غدا العراق، على منوال ألمانيا بعد عام 1945، "تحت الإحتلال". أما المحامون في نيويورك وواشنطن، فقد غاب عنهم الفرق الواسع بين جزء كبير من الشعب العراقي، مدهوشاً بتحريره، ومجتمع نازي أو ياباني دافع عن هتلر حتى آخر رمق. وإذا أردنا الحديث طائفياً في الموضوع، لا بُدَّ من التسليم بأن شيعة العراق وأكراده كانوا في صدارة الدعم لجورج بوش ضد صدام، يشكلون أكثر من 80 بالمائة من الشعب. وبالفعل لم نرَ أثراً لمقاومة عسكرية تذكر في حربٍ جاءت بأرتال الغازي من الكويت إلى بغداد بأقل من ثلاثة أسابيع.

فتحول التحرير في الحديث القانوني احتلالاً، والإحتلال في الشرق الأوسط يعني قبل كل شيء قُبحَ ما تقوم به الحكومة الإسرائيلية بالفلسطينيين بلا هوادة منذ حزيران 1967، بعد تهجير أغلبهم من بيوتهم في الـ48. وبالرغم من كلّ هذا الشطط في العنوان القانوني، عرف العراق الجديد مسؤولاً قديراً اسمه جاي غارنر، مهتماً قبل كل شيء بجمع حكومة عراقية لتولي الأمور في بغداد، بدل أن يحكم هو العراقيين بنفسه. كبير المحتلّين جاء متأخراً، في شخص رجل طموح وجاهل من مدرسة هنري كيسينجر اسمه جيري بريمر، همّه الأول التحكم بثلاثين مليون عراقي في حين كان مطلوباً منه تسهيل قيادتهم لشؤونهم بأنفسهم. حظّ أهل العراق سيئ، والتاريخ في شجون وفنون.

هنا أيضاً كاد المآل أن يكون مختلفاً. كنت في بيروت بعد تحرير بغداد من وطأة صدام عندما رنّ الهاتف. "البنتاغون" على الخط، ويطلب مني بول ولفوويتز إذا كنت مستعداً للتوجه الى بغداد لمساعدة معارضة سائبة على التلاحم في حكومة عراقية موحّدة. اعتذرت منه. ولا أزال أتساءل حتى اليوم ما كان التاريخ ليرسمَهُ لو جاء جوابي إيجابياً.

من المرجّح أن نهايتي كانت في شاكلة الفاجعة التي أصابت سيرجيو دي مليو. لست أدري. المهمّ أن تقرير شيلكوت في عمومه خاطىء، وقد فقَدَ الغابة في تفصيل الشجيرات. وعندما التقيت بجورج بوش أيام حملتي الرئاسية عام 2006 في مناسبة صورة تذكارية، فكّرت ملياً عما يمكنني أن أقوله في ثوانٍ معدودة. أخيراً عزمت على مصافحته بهذه الجملة: "أنا مرشّح لرئاسة الجمهورية اللبنانية، وأودّ أن أشكركم لرفع الغطاء عن استبداد حكّام العرب". لا أزال على هذا الموقف بالنسبة لترِكة بوش وبلير في العراق والشرق الأوسط عموماً. فلقد رفعا الغطاء عن أعتى طغاة المنطقة، ومشينا في أثرهم في بيروت عام 2005، وفي طهران عام 2009، ولا نزال نعمل جاهدين في مقاومتنا للإستبداد في لبنان وسوريا وإيران ومصر وتركيا. لا استبداد في العراق اليوم. صحيح أن الفوضى عارمة، وهي فوضى قاتلة، لكنني مقتنع أن الأمور سوف تتحسن في العقد المقبل طالما لا ديكتاتورية في بغداد. أما القول باستحقاق جورج بوش التكريم بتمثال يشاد وسطَ بغداد، فهو حقيقةً ليس مني. سمعته في النجف العام الماضي. وليتفضل الرؤساء الثلاثة في العراق بتكذيبه في مناسبة تاريخية أعاد فتح جراحها تقرير جون شيلكوت.

 

إظهار التعليقات

يلفت موقع النهار الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

Digital solutions by WhiteBeard
Digital solutions by WhiteBeard