"سمرقند": "داعش" و"الحريم" وجهاً لوجه

23 حزيران 2016 | 23:30

المصدر: "النهار"

لا شكّ أنّ في "سمرقند" جهداً لا يحتاج مجهراً كي نلمحه. بل على العكس، هو جهد لا مجال للاستهانة به أو إنكاره. المسلسل (تعرضه "أم بي سي دراما" و"المستقبل" و"النهار" الجزائرية) عودة تاريخية إلى عصر السلاجقة والسلاطين، من دون الادّعاء بأنّه عودة حرفية، محض جدّية، لا فنتازيا فيها ولا خيالات. "سمرقند" (كتابة محمد البطوش وإخراج إياد الخزوز، وبطولة عابد فهد، يوسف الخال، أمل بشوشة، ميساء مغربي، يارا صبري، عاكف نجم...) هو لقاء اللحظات الحميمية في علاقات السلاطين بالنساء، والرسالة السياسية خلف فنّ الإسقاطات. يعرف المسلسل ما يريد، وأيّ جمهور يحاكي. اكتفاؤه بالبُعد التاريخي للحبكة، ما كان سيضمن مُشاهداً تملؤه الحماسة. لا بدّ من النساء في المعادلة، ومن مكائدهن وسحرهن ويومياتهن المشحونة بالشهوة والكراهية. من هنا، يرتسم للعمل خطّان: الأول تقليد مكشوف لمسلسلات الأتراك ومحاولة محاكاتها بأيّ ثمن، والثاني إطلاق صرخة سياسية في وجه الإرهاب، فيقدّم المسلسل ذاته بكونه عملاً مشوّقاً يخاطب جمهور "حريم السلطان"، وفي الآن عينه قادراً على التفرّد ببعد تاريخي رصين وسط منافسة ثقلها الحبّ الباهت والخيانة السخيفة.

نكرر، ليس "سمرقند" من أعمالنا المفضّلة هذه السنة. المسلسل المصنوع بإمكانات إنتاجية جاذبة، تقوّضه بنية سلوكية هشّة في أداء بعض الممثلات الطامحات للتماهي الكلّي مع نجمات الدراما في تركيا. أمل بشوشة أولهنّ ثم ميساء مغربي. يصبح الشقّ المتعلّق بنساء القصر وجارياته، إعادة بديهية لحوادث حقّقت نجاحها مرّة من غير أن يعني ذلك ضرورة تحقيق النجاح ذاته خارج النسخة الأصلية.

إليكم القصة يا أصدقاء: تصل نرمين (بشوشة) إلى قصر الملك شاه وفي بالها هدفٌ واحد: أن تصبح الجارية المفضلة بعد أوقات عصيبة أمضتها في سوق النخاسة، تُباع وتُشتَرى. بالدهاء والحيلة (لا ندري لماذا تمثّل بشوشة هنا كالأطفال رغم أنّ تقديمها في الجنيريك يقول بأنّها "فنانة قديرة")، تنال نرمين ثقة الملكة توركان (ميساء مغربي، الواضح أنّها تؤدي الدور في صفتها لايدي عصرية)، وفي الآن عينه تتقرّب من ضرّتها وعدوّتها الملكة زبيدة (يارا صبري في دور مقنع أكثر من أداء بشوشة- مغربي)، فتنال من الأولى المجوهرات والهدايا، ومن الثانية الحرية. بشوشة- مغربي- صبري، ثلاثية تتناول كسب الرهان بكلّ الأساليب الملتوية. إننا هنا في صلب معركة موازين قوى. دولابٌ من المصادفات والحظّ والانقلابات المستترة. تتحوّل نرمين من جارية تتسلّل إلى القصر، إلى وصيفة أولى للملكة توركان زوجة الملك شاه، ملك السلاجقة، بيدها المكائد والحيل، تدرك كيف تجعل الظرف لمصلحتها. بشوشة تؤدي الشخصية كأنها في مسرح دمى، وتخال أنّها بذلك تُمسكها، وإنما يطفو الاستسهال خصوصاً حين تقع في الحبّ وتُكثر من التنهيدات.

ما يهم في المسلسل، ليس صراع الجاريات لكسب فراش الملك، ولا مكائد توركان وزبيدة، ونرمين بينهما. ولا طبعاً فكّ السحر ليعاشر الملك توركان بعد انقطاع أو الشراب المسحور لتُنجب له ذكراً. هذه فنتنازيا مُستهلكة لا تستميلنا. تعنينا الرسالة السياسية خلف الشخصيتين الرئيسيتين: عابد فهد في دور حسن الصباح، محور الشرّ، ويوسف الخال في دور عمر الخيام، محور الوعي المجتمعي وخير النفس البشرية. عبر الشخصيتين، يدور عملٌ القصد منه طرح إشكالية الإرهاب بسياق تاريخي قابل للإسقاط على كلّ زمن. يبالغ فهد بحركاته وقواه الخارقة، وبالقفز في الهواء مثل سوبرمان خيالي، تاركاً الشخصية أقرب إلى أضحوكة منها إلى واقع حقيقي يتمدّد. واضحٌ أنّ فهد في دوره يقدّم نموذجاً درامياً عن داعشية هذا العصر، أقلّه بإطارٍ شكلي يعتمد على الهيئة المخيفة وعشوائية القتل. الطيران في الهواء، بيَّن "جماعة الحشاشين" المقصود بها اختزال الحركة الإرهابية والموت المجاني، سوريالية فيما حساسية الرسالة تقتضي الحدّ من الهزليات.

يقدّم المسلسل خطاباً مناهضاً للهمجية المُرتكبة باسم الدين عبر التاريخ. في مقابل المراحل الظلامية برجالها وضحاياها وتداعياتها على السلوك البشري، ثمة رجالات بمثابة منارة فكرية وحضور إنساني عظيم، منهم عمر الخيام، بملامح يوسف الخال الرومانسية وأدائه الباعث على الطمأنينة في لحظات التردّد والقلق وسفك الدماء. الخشية أن يُجرَّ الدور نحو قصص الغرام السطحية، خصوصاً أنّ نرمين في حال ذوبان كلّي، ولا حيلة أمام قلب لا يضبط دقّاته.
العمل خطّان، كلٌّ في اتجاه. الأول تطوّراته تركية وممثلاته ضائعات بين الجمال والدلع، والثاني خطابي، يرفع قبضاته من دون أن يرفع بالضرورة نبرته. اسم مثل عابد فهد لا يبدو أنّ خياراته التمثيلية دائماً صائبة.

fatima.abdallah@annahar.com.lb

Twitter: @abdallah_fatima

إظهار التعليقات

يلفت موقع النهار الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

Digital solutions by WhiteBeard
Digital solutions by WhiteBeard