مأساة اعتدال مآسٍ وجوع: في أي لحظة، قد تُطرَد مع ابنتها الى الشارع

21 حزيران 2016 | 18:16

المصدر: "النهار"

يكشف شهر #رمضان المبارك، أكثر من أيام السنة الأخرى، عن عمق المأساة الاجتماعية في المناطق وبين الفئات الشعبية في #طرابلس، في أحزمة البؤس والفقر والحرمان. وإذا كانت الأشهر العادية تخفي بعضاً مما تعيشه شريحة واسعة من الناس، فإن الظاهر حالياً ما هو إلا بعض مما طفح به الكيل، والذي تمكن ملاحظته بوضوح في ظاهرة لم تعتدها المدينة سابقاً.

وليست اعتدال أحمد السيّد إلا حالة نموذجية للمأساة. وكثير من أمثالها ينتشرون في كل مكان، وعلى نطاق واسع، في الأحياء الداخلية للمدينة، وفي الأمكنة العامة، حيث تشاهد تجمعات صغيرة لعائلات من نساء وأطفال تستظل في الشجر في وسطيات الشوارع، أو على الأرصفة العامة.

غادر ولم يعد
أيام معدودة، وينتهي الشهر، ويطل العيد. لكن بالنسبة إلى أطفال كثيرين، ليس العيد إلا يوماً عادياً تنقلب ورقة روزنامته، لتحل أخرى بطريقة روتينية، وربما اكثر سوداوية. تعيش اعتدال مع ابنتها، وكلتاهما هجرها الزوج. عاشت اعتدال مع زوجها 40 عاما، لكنه تزوج من اخرى بعد خمس سنوات، وتعايش مع الاثنتين، وكل واحدة تسكن بيتا، وانجب من كلتيهما الأولاد.

لاعتدال خمس بنات، واربعة شباب، خسرت منهم شابين: واحد وقع من مرتفع وهو في العمل، فتوفي. والآخر لم يتمكن من تقبل فكرة دخوله السجن، فمات قهراً فيه"، على ما تقول اعتدال، شارحة انه "لم يكن مذنباً، ولا مرتكباً لجرم، إنما أوقف بجريرة آخرين". الشابان الآخران تزوجا، ويعيل كل منهما عائلته بشق النفس، وتعيش اعتدال في المجهول.

كان زوجها يغيب عن البيت في السنوات الأربعين التي قضاها معها. وفي السنوات الثلاث المنصرمة، غادر ولم يعد يتردد على البيت. وتقول اعتدال إنه "يعيش اليوم مع زوجته الثانية في إحدى البلدات الريفية. لكنني انا زوجته الأولى"، تشير بذلك إلى ظلامتها.

 

لا يصلح لسكن انسان
الحي الذي تعيش فيه اعتدال يعرف ببعل الدراويش. وهو حي أشبه بالمثلث الواقع على طرف باب التبانة الشمالي، ويفصل شارعها العام عن جبل محسن. بيتها يتكون من غرفتي نوم وجلوس، بحالة سيئة، متآكلة. وتغطي مياه الصرف الصحي الممر المؤدي إلى المنزل الذي يمكن الوصول إليه عبر ثلاث أو أربع درجات.

تستولد مأساة اعتدال مآسي. لم يعد لها من مدخول من الزوج. وعندها في البيت، حلت مأساة ثانية، شكلت للمصادفة حلاً لها. فقد طلقت إحدى بناتها، وهجرها زوجها، ولها منه صبي وبنت أخذهما معه، وبقيت هي عند امها، تعيلها بالعمل في المنازل. "يطلبونني للعمل مرتين أو ثلاث مرات أسبوعيا. وكل مرة أقبض 10 أو 15 ألف ليرة لبنانية هي ما نحاول به تغطية بعض من نفقاتنا"، تقول.
المنزل الذي لا يصلح لسكن انسان، يوحي إيجاره كأنه قصر. 100 ألف ليرة شهرياً لقاء غرفتين مهترئتين مع حمام وضيع. كأنه كتب على اعتدال أن تصرف مدخول ابنتها في العمل المنزلي لتغطية إيجار المنزل. ويتراكم إيجار خمس سنوات عليها. وفي أي لحظة، قد تصبح المرأتان في الشارع.

بعض شباب الحي يساعدون اعتدال من حين إلى آخر في تأمين بعض الحاجيات. عبدالله الحلوة جار صاحب نخوة، يطل عليهما من وقت الى آخر. وعندما يعرف حاجتهما، يذهب إلى بيت ابيه حيث يسكن، ويحضر اليهما بعض الحاجات، كالخبز أو الطعام. "هنا في الحي لا نترك بعضنا. لا أحد يهتم بحالنا، فنتساعد، ونتقاسم ما أمكننا الحصول عليه من مدخول"، يقول.

وجبة واحدة يومياً
في رمضان، تعيش المرأتان مأساة. تقول اعتدال إنها لا تتلقى أي مساعدة من جمعيات خيرية التي تغيب عن الحي. "نتناول وجبة واحدة يوميا. واكثر الأحيان، لا يتوفر لنا المزيد". ويلفت الشاب خضر الحلوة إلى أن أحداً لا يقدم المعونة في شهر رمضان الى عائلات الحي. "بعض العائلات في أحياء مرتاحة ماديا يبقى عندها بعض الطعام بعد الافطار. فنحصل عليه، ونوضبه، ونقدمه الى العائلات المحتاجة، ومنها اعتدال".

تراكم المآسي
وتستولد مأساة اعتدال مأساة أخرى، هي عائلة ابنها التي تعيش في أحد المنازل المتاخمة لمنزلها. البيت عبارة عن غرفتي نوم وجلوس يعيش فيهما الابن زوجته عبير السيد مع اولادهما الخمسة، اربع بنات وصبي. وبسبب اضطرابات نفسية يعانيها الابن نتيجة جولات المعارك التي شهدتها المنطقة، فقد اقدم على اضرام النار بالمنزل مرات عدة. وتولى شباب الحي إطفاءه. وتظهر على جدرانه آثار الحريق بوضوح.

ثلاثة من الاولاد دخلوا المدرسة، وغطى والد عبد الله الحلوة نفقات التسجيل. وقال لعبير: "عندما يتوفر لديك المال، تردين لي الدين". لكن الأيام تمر، ولا تتمكن عبير من رد المبلغ. فزوجها سائق تاكسي، على قولها، ومدخوله لا يتعدى 15 الف ليرة يوميا، وهي كل ما لدى العائلة من مدخول.

ويقرع العيد الأبواب، وأولاد عبير الخمسة لن يكونوا في عداد المحتفين بالعيد. وتقول الابنة اعتدال (14 عاما) التي تحمل اسم جدتها الساكنة في الجوار: "لا أعرف كيف سيكون العيد. مثله مثل بقية الأيام". وتضيف تيماء (12 عاما): "سأستعير ثوب شقيقتي، نصف النهار لها، والنصف الآخر لي". اما بالنسبة الى جوانا (8 اعوام) ونور (6 اعوام)، فستسعى عبير الى الحصول لهما على ثوب مشترك، إذا لم تجد من يساعدها في تأمين ثوبين، على ما تقول. ويبقى نديم، ابن العامين ونصف العام، صبي العائلة، ويأمل في أن يكون له طقم ثياب جديد، لكن لا شيء يؤكد ان امنيته ستتحقق.

انها امنية يتمناها كل الاولاد الفقراء المحرومون من متاع الدنيا وملذاتها، وبخاصة في المناطق الشعبية مثل التبانة، جبل محسن، القبة والمنكوبين، باب الرمل، ضهر المغر، الحارة البرانية، السويقة والجسرين، الحديد، الزاهرية، الغرباء والاسواق الداخلية... والذين ينتظرون مع اهلهم حلول شهر رمضان المبارك، باعتباره شهر المساواة بين الغني والفقير، شهر انفاق زكاة المال وزكاة الفطر التي تعطى الى الفقراء والمحتاجين، كي يشعروا بفرحة العيد، وقبله بلذة الصيام. فهل تتحقق أماني الفقراء في الايام المعدودات المقبلة؟!

إظهار التعليقات

يلفت موقع النهار الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

Digital solutions by WhiteBeard
Digital solutions by WhiteBeard