ميشال سير عن ولادة الفَرْد من رحم الثورات العربيّة

8 حزيران 2016 | 19:12

المصدر: "النهار"

ميشال سير مفكّر الهناك والهنا. يحيل الهناك على فرنسا التي ينتمي إليها بالجينات، وتشير الهنا إلينا في هذه الأنحاء وفي كل نحو متاخم سواه، في كل ركن حيث يجري استدعاء كلمة الفيلسوف الفرنسي، ذريعة للتأمل والتبصّر.
قبل أعوام عدة وفي مطلع الثورات العربية وضع ميشال سير ما تابعه من انتفاضات شعبيّة في خانة تفجّر المجموعة تحت ضغط الأفراد. زاد أن ما ولد ماضياً في البلدان الغربيّة وما كان يولد وقتذاك أمام عيوننا عربياً، كان الفرد. ولم لبث أن مطّ هذا المفهوم إلى مستوى المعيش الإجتماعي ليسأل "هل يسعنا اليوم أن نعيش كثنائي؟" وليلفت إلى ان عجلة الطلاق ماضيةٌ في مسارها ومن دون توقّف، متأملاً فرداّ بات يحتاج إلى رابط إجتماعي جديد.
سير صوت معاصر، ليس في المعنى الزمنيّ فحسب أي بسبب ارتباطه بحقبتنا وإنما في المعنى المفهوميّ أيضا، ذلك انه حكى عن ثيمات الراهن المرتبك إزاء تطوّرات جبّارة صدّته كالأمواج الحانقة. والحال ان سير اهتم للعصر الرقمي الذي أحدث في عرفه، ثورة إجتماعيّة بدأت من القعر وليس من الأعلى. سأل أيضاّ في ارتياب هو من شيم المفكّرين بلا ريب، عن الجهة التي ستحتفظ بالمعلومات الهائلة التي تجمع عنّا في زمن يجري التلصّص علينا من نوافذ الحيوات الخاصة. وإذ يعاين سير الثورة الرقمية كلحظة قطيعة في تاريخ الإنسانية، يراها وقد أخذت من المرء بعض قدراته لتمدّه بأخرى. يصفها بالثورة التي بدّلت مفهومي الوقت والمكان.
في حديث نشر أخيرا في مجلة "إيل كولتورال" الإسبانية الثقافيّة، اضطر سير وهو عضو "الأكاديمية الفرنسية" إلى الردّ على بعض التساؤلات التي تقضّ مضاجع المشكّكين في ضرورة استمرار الفلسفة، وأقحم عفوياً في تمرين الدفاع عن وجوده كفيلسوف. وإذ يُسأل عن فائدة الفيلسوف في القرن الواحد والعشرين يجيب سير مُستدعيا المثال السياسي. نقرأ "تَجمع الحكومات وزارات عدة، ولكل وزارة اختصاص، كمثل طبيب الجلد وطبيب الأمراض القلبيّة. هذا الأمر جيّد حين تتعلق المسألة بحلّ مشكلات بسيطة في حين نواجه اليوم مشكلات متشابكة: تناط مسألة البطالة مثلاً بوزارة العمل والتربية والإقتصاد والشباب... ثمة نقص في الخبراء العموميين، ولهذا السبب وجدت الفلسفة".
يقرّ سير مباشرة ومن دون لفّ أو دوران بأنه من هواة الإنعطاف وسلوك الطرق البديلة. وربما تكون هذه الرغبة في الإنحراف حملَته إلى فسحة القلق المعرفي عموماً، وإلى تاريخ العلوم خصوصا الذي صار أحد رموزه. يذكّر سير المُتحاملين على الفكر بأن الأسلوب هو المسار وبأن سالك الخطّ المُستقيم لن يكتشف شيئا جديدا، ولا يلبث أن يستدعي كريستوف كولومبوس كمثال يحتذى لأنه الرجل الذي نقّب عن الهند ليجد القارة الأميركية!
وإذ يُستفهم سير في خضم الأزمة الإقتصادية المستفحلة غرباً عن تلازمها مع أزمة قيم وفق اقتناع البعض، يشير إلى أن الرفض والتأقلم هما الموقفان المُحتملان إزاء أي تبدّل. ثم يزيد أنه يميل إلى الموقف الثاني. نقرأ "أختار أن أُعدّ لعالم ممكن يكون أفضل للقادمين بعدنا. ينبغي للفيلسوف أن يلعَب دور القابِلَة، ينبغي له المساعدة على ولادة العالم الجديد".
في "العقد الطبيعي" و"الحواس الخمس" و"عينان" وغيرها من العناوين، أكّد سير انه مأخوذ بأفكار لا تخشى التململ والتيه. يُصرّ سير، وعلى شاكلة الفلاسفة الإغريق، على تحفيزنا على الحركة.
يُذكّرنا ميشال سير في الثمانين من عمره بأن المعرفة مرتبطة بالحركة دوما، وأن الحركة مرادف للحياة، فلا يتردّد بأن يكتب في نبرة الدعاة: "أجل. إِرحَل ووزّع نفسك في أجزاء عدّة".

roula.rached@annahar.com.lb
Twitter: @Roula_Rached77

إظهار التعليقات

يلفت موقع النهار الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

Digital solutions by WhiteBeard
Digital solutions by WhiteBeard