ادُعيَ عليهم بسبب "بوست" أو تغريدة... ولكن لا يمكن عقاب الجميع واسكاتهم

8 حزيران 2016 | 18:21

المصدر: "النهار"

من قال إن الشبكة العنكبوتية افتراضية مخطئ والدليل سوق من تجرأ وانتقد بشكل لاذع وأبدى موقفاً تناول فيه مسؤولين سياسيين او فنانين او اعلاميين او اي فرد، والتجارب امام المحاكم المدنية والمحكمة العسكرية ومكتب جرائم المعلوماتية خير دليل.

آخر من طالته الملاحقة القانونية بدعوى القدح والذم هو المحامي والناشط الحقوقي نبيل الحلبي الذي أوقف في 30 أيار الماضي قبل أن يطلق سراحه، وذلك بسبب مواقف له في "#فايسبوك" اتهم فيها مسؤولين في وزارة الداخلية بالفساد والتواطؤ المحتمل مع أشخاص أوقفتهم قوى الأمن الداخلي على صلة بالاتجار الجنسي بنساء سوريات. هذا الأمر دفع وزير الداخلية نهاد المشنوق الى رفع دعوى قدح وذم في 12 نيسان الماضي ضد الحلبي أمام النيابة العامة في بيروت.
الحلبي ليس الأول ولن يكون الأخير، فقبل نحو عامين استُدعي الناشط كريم حوا الى مكتب مكافحة جرائم المعلوماتية. وعن ذلك شرح لـ"النهار"، "اتصل بي مكتب مكافحة جرائم المعلوماتية حيث أبلغت بضرورة الحضور لأن هاتفي الخليوي مسروق، ليتبيّن لاحقاً أن سبب الاستدراج والتوقيف هو مشاركتي رابط لمقال بعنوان: "فضيحة الأمن اللبناني، من هم الخونة؟ على موقع 961citizen فاتهمني الوزير بالقدح والذم، ليطلق سراحي بوساطة بعد أربع ايام حيث اسقط الدعوة". وعما إذا أثر ذلك في منشوراته بعد التوقيف، أجاب: "في البداية نعم لم ارد ان اغضب عائلتي، أما اليوم فأعبّر كما أريد من دون أن أخشى احداً".


أمثلة
الناشط عماد بزي كان له نصيب من السوق الى مكتب مكافحة جرائم المعلوماتية بعدما انتقد احد الوزراء ماسا بـ" شواربه"، بعد خلاف على افضلية المرور بين الوزير والمحامي جيمي حدشيتي، يقول لـ"النهار": " تم رفع دعوى ضدي امام النيابة العامة واستدعيت الى مكتب مكافحة جرائم المعلوماتية ولم يصدر حتى الساعة حكم بحقي، رفضت امضاء اي تعهد، ووقعت على عدم التعرض للوزير جسدياً ولعائلته وممتلكاته، مع تسجيلي في المحضر أني سأستمر في الكتابة عن الموضوع". وبحسب بزي "المكتب ليس ضابطة عدلية وانشاؤه فيه لُبس، لكن لا شك ان وجوده ضروري لحماية الملكية الفكرية وملاحقة الجرائم السيبيرية وليس ملاحقة الصحافيين والناشطين بسبب كتاباتهم".


غرّدت متهمة اياه بتقاضي رشوة لقاء ما أسمته "تبييض صفحة" محامي عنّف زوجته، فرفع عليها دعوى قدح وذمّ وتشهير، هي قضية الصحافية حياة مرشاد والاعلامي طوني خليفة. مرشاد رفضت المثول أمام مكتب مكافحة جرائم المعلوماتية التي استدعاها مرتين، وكما قالت لـ"النهار": "جرى التحقيق معي في بعبدا قبل نحو شهر، الآن لا أعرف أين اصبحت القضية حيث تتابعها محامية". وأضافت "كل ذلك لقمع الحريات ومنع الناشطين من الاضاءة على قضايا معيّنة، لن يسكتني ولن يرهبني ذلك وأنا ضد الدعاوى التي ترفع بسبب "ستاتوس" أو تغريدة بغض النظر لمن توجه".
أما الناشط اللبناني جان عاصي الذي تناول وقتذاك في تغريدة له رئيس الجمهورية اللبنانية الأسبق ميشال سليمان، فحكمت عليه محكمة المطبوعات بالسجن شهرين بتهمة القدح والذم، مما دفعه الى توجيه كتاب اعتذار للرئيس.
هؤلاء ليسوا وحدهم من عبروا عن رأيهم، فالآلاف من اللبنانيين لديهم حسابات في مواقع التواصل الاجتماعي، وهناك تغريدات وبوستات تفوق في مضامينها ما كتبه مِمن رُفعت دعاوى ضدهم، مما يطرح السؤال: هل العملية انتقائية؟ وهل القانون اللبناني ينص على الجرائم المعلوماتية؟

الحرية مكفولة ولكن!
كفل الدستور اللبناني في مقدمته حرية الرأي والمعتقد، ونصّت المادة 8 منه على أن الحرية الشخصية مصونة وفي حمى القانون، كما نصت المادة 13 على حرية إبداء الرأي قولاً وكتابة وحرية الطباعة وحرية الاجتماع وحرية تأليف الجمعيات كلها مكفولة ضمن دائرة القانون. لكن ما يحصل يدفع الى التساؤل عن مدى هذه الحرية، وعن ذلك علّق المحامي بيار العبد الله لـ"النهار" قائلاً: "بالنسبة إلى جرائم الانترنت لا يوجد قانون واضح فيها، اذ ليس ثمة نص تشريعي يتحدث عنها مباشرة، لكون قانون العقوبات اللبناني يعود الى العام 1943، لكن المحاكم اللبنانية ترتكز في هذه الجرائم التي يتكلف التحقيق بها مكتب مكافحة الجرائم المعلوماتية على المادة 209 من قانون العقوبات التي تحدثت عن وسائل النشر"، ولفت إلى أنه "اذا تعلق الأمر بمقال موقّع من صحافي نشر في جريدة أو بث عبر الاعلام فإنه يحاكم أمام محكمة المطبوعات، أما نشر الصحافي لأي رأي في وسائل التواصل الاجتماعي يتضمن قدحاً وذماً للآخرين فإن المحاكم الجزائية هي الصالحة للنظر في الدعاوى التي ترفع في هذا السياق".

الأسباب الموجبة للمحاكمة
تعتبر شبكة الانترنت اليوم وسيلة من وسائل النشر لذلك يحاسب الشخص على الكلام الذي ينشره في مواقع التواصل الاجتماعي فيما لو شكّل قدحاً أو ذماً للآخرين، حيث عدّدت المادة 209 هذه الوسائل بحسب العبد الله كالآتي: "الأعمال والحركات إذا حصلت في محل عام أو مكان مباح للجمهور أو معرّض للأنظار أو شاهدها بسبب خطأ الفاعل من لا دخل له بالفعل. الكلام أو الصراخ سواء جهر بهما أو نقلا بالوسائل الألية بحيث يسمعهما في كلتا الحالتين من لا دخل له بالفعل. الكتابة والرسوم والصور اليدوية والشمسية والأفلام والشارات والتصاوير على اختلافها، إذا عرضت في محل عام أو في مكان مباح للجمهور أو معرض للأنظار أو بيعت أو عرضت للبيع أو وزعت على شخص أو أكثر". وتابع "يعتبر القضاء أن الانترنت وسيلة علنية لذلك يطبق عليها المواد 581، 582، 583 و584 من قانون العقوبات".

الفرق بين القدح والذم والتحقير
المادة 385 من قانون العقوبات اللبناني بحسب عبدالله تعرّف القدح والذم "الذم هو نسبة أمر الى شخص و لو في معرض الشك أو الاستفهام ينال من شرفه او كرامته". أما القدح فتعرفه "كل لفظ او ازدراء أو سُباب و كل تعبير أو رسم يشفان عن تحقير يُعد قدحاً إذا لم ينطوِ على نسبة أمر ما". أما عقوبة الذم بحسب المادة 582 من قانون العقوبات فهي "الحبس حتى ثلاثة اشهر وبغرامة تصل حتى 200 ألف ليرة أو إحدى هاتين العقوبتين"، أما التحقير، فعرفته المادة 383 على أنه "يحصل بالكلام والحركات أو التهديد، سواء كان بكتابة أو رسم أو مخابرة برقية أو تلفونية، والذي يوجه إلى شخص ما". عقوبة القدح بحسب المادة 584 من قانون العقوبات "الحبس من أسبوع الى ثلاثة أشهر أو بالغرامة من خمسين ألف الى أربعمئة ألف ليرة. أي أنهما جنحة وليس جناية".


"التعبير" أمام المحكمة العسكرية
الأمر قد يكون أخف أمام "نشر شخص أموراً من شأنها اضعاف الشعور القومي او تشجيع الارهاب ونقل اخبار التنظيمات الارهابية مع التشجيع عليها، أو شتم عسكري، أو إثارة النعرات العنصرية او المذهبية او نشر كتابات تحتوي على قدح وذم او تحقير لاحد رجال السلطة العامة، أو يمس بها الشعور الديني"، فإنه يعاقب عليها بحسب المحامي في المحكمة العسكرية خالد الشحيمي "أمام المحكمة العسكرية لا الجزائية، التي هي الجهة الصالحة للنظر في هذه الدعاوى". أما العقوبة "فتختلف بحسب كل حالة" إذ اشار إلى أن "القانون يحتاج الى تعديل، فمثلاً شتم الذات الالهية تصل عقوبتها الى ستة أشهر في حين أن شتم رئيس الدولة تصل عقوبتها الى ثلاث سنوات، فهل رئيس الجمهورية أهم من الخالق مثلاً"؟
سير الدعوى
وعن كيفية تطبيق عقوبة القدح والذم في مواقع التواصل الاجتماعي، فشرحها العبد الله "ترفع شكوى قضائية من مدع متضرر، تُحيل النيابة العامة الشكوى على مكتب مكافحة جرائم المعلوماتية، يستدعي المدعى عليه للتحقيق معه، إما يتم توقيفه أو اخلاء سبيله بسند اقامة، ليحال بعدها الملف على النيابة العامة لكي تقرر بدورها متابعة القضية أو ردها. لا يتحرك المكتب إلا بتقديم دعاوى مباشرة من المتضررين الا في حال كان التعرض لشخص رئيس الدولة، إذ حينها تحركها دعوى الحق العام بدون شكوى المتضرر".


"الحياة السيبيرية"
في مقابلة سابقة مع "النهار" تحدثت الرّائد سوزان الحاج حبيش (رئيسة مكتب مكافحة جرائم المعلوماتية) عن ان القاعدة التي يعمل على أساسها المكتب هي ان "كل ما يحصل في الحياة العادية علينا توقع حدوثه في الحياة السيبيرية" شارحة الجرائم التي يلاحقها المكتب ومنها "سرقة حساب وانتحال صفة صاحبه للاحتيال على الاشخاص بطلب تحويل اموال، عمليات الابتزاز، كتكوين صداقات يتضح عبرها أن أحد الطرفين يستدرج الآخر لالتقاط صور له غير اخلاقية وابتزازه، عمليات تبييض الاموال". أما عن الناشطين في مواقع التواصل الاجتماعي، فقالت: "لا إمكان لمراقبة كل المواقع، لكن هناك خلية خاصة برصد الاعمال الارهابية، من بيانات أو تصريحات لإرهابيين، أو تكون حسابات ذات طابع أمني، قد تكون المدخل لعملية ارهابية، أما كلام الناشطين في "تويتر" و"فايسبوك" فليس جريمة إلكترونية بالنسبة الينا".


ليس عالماً افتراضياً كما تثبت الدعاوى، بل على العكس في صلب الواقع ومضبوط بقيود وإن كانت تطاول أشخاصاً دون غيرهم!

إظهار التعليقات

يلفت موقع النهار الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

Digital solutions by WhiteBeard
Digital solutions by WhiteBeard