عن "التشامب" كلاي... بطلٌ خارج الحلبة

7 حزيران 2016 | 14:54

المصدر: "النهار"

قلّما كان لرجل من خارج دائرة السياسيين تأثير في المزاج العام لجيل بكامله وفي أوساط صنع القرار مثل محمد علي. صحيح أنه كان سريعاً وقاضياً في الحلبة، لكن معاركه الأكبر كانت في حلبة الحياة. رجل أسود يواجه النمطية التي أعطت أبناء بشرته حقوقاً في مجالات الرياضة تُنتزع منهم فور مغادرتهم الملاعب. أميركي أسود اعتنق الإسلام، فصار غريباً مرتين، قبل عقود من تلويح مرشح للرئاسة الأميركية بمنع المسلمين من دخول البلاد. أميركي مسلم أسود رفض الذهاب لقتال شعب أسمر فقير لحساب مصالح الرجل الأبيض. وأخيراً إنسان يصارع داء "الباركينسون" ويجسد معاناة ضحاياه في كل مكان.
لو كان محمد علي مجرد أسطورة رياضية تهوي لما قرر رجب طيب أردوغان، الرئيس الذي يقدم نفسه وريثاً لآخر أمجاد المسلمين ومدافعاً عنهم من الروهينغا في ميانمار (بورما سابقاً) إلى الأويغور في الصين والأقليات في أوروبا، المشاركة في تشييعه.
تأملوا هذه المفارقة. يحكم التوجس عالمنا منذ 11 أيلول 2001، والإسلاموفوبيا تزداد انتشاراً في ظل الهجمات الإرهابية في أوروبا وتدفق المهاجرين. كثر في الغرب يعتنقون الإسلام بعد مشاهدة فيديو على "يويتوب" ودون فتح القرآن ويذهبون بحثاً عن وهم ما إلى الرقة أو الموصل حيث تنظيم "الدولة الإسلامية" ("داعش") والقتل ممارسة يومية. عام 1964 تحول كاسيوس كلاي إلى الإسلام، وقاده ذلك إلى رفض حرب لا معنى لها على أرض بعيدة، ودفع الثمن غالياً. دينه الجديد دفعه إلى نبذ قتل الآخرين، بينما تمارس أعتى الجرائم اليوم باسم الدين نفسه.
"كمسلم أعتقد أنه من الأهمية بمكان أن يكون لدينا شخص يحترمه العالم أجمع، يعرفه الجميع ويعطي صورة جيدة"، قال حمزة شاه، وهو طبيب مسلم في لويفيل حيث ترعرع كلاي. وأضاف :"مع كل ما يجري حولنا، نرى صورة سيئة للمسلمين في وسائل الإعلام. الشخص الوحيد الذي كان يستطيع بالتأكيد تغيير ذلك هو محمد علي، إنه يمثل ماهية الإسلام الحق".
وكان من المواقف الأخيرة لكلاي الرد في كانون الأول في حسابه الرسمي بـ "تويتر" على دونالد ترامب بالقول إن "علينا كمسلمين الوقوف في وجه الذين يستغلون الإسلام لتحقيق مصالحهم الخاصة". وأضاف :"ليس من الإسلام في شيء قتل الأبرياء في باريس وسان بيرناندينو وأي مكان آخر في العالم. المسلم الحق يدرك أن القتل المجنون الذي يمارسه من يُسمون "جهاديي الدولة الإسلامية" يخالف أسس ديانتنا".
يحق لحمد علي أكثر من سواه انتقاد ترامب. القطب العقاري يرفض المهاجرين، وهو نفسه تعود جذوره إلى ألمانيا التي غادرها جده إلى الولايات المتحدة. وفي زواجه الأول والثالث اقترن بغير أميركية. وهو أيضاً تهرب من التجنيد الإجباري، وإن يكن يقول إن ذلك تم باستثناء قانوني.
استغل ترامب الشاب ثروة والده ليتفادى محرقة فيتنام ويكمل حياته الارستقراطية. في حين اختار محمد علي الذي نشأ فقيراً وكان في ذروة مجده، عدم الذهاب عن اقتناع. قال عام 1967:"ضميري لا يسمح لي بإطلاق النار على أخي أو أشخاص ذوي بشرة داكنة وأناس جائعين يعملون في الوحل إرضاء لأميركا القوية الكبيرة... لماذا أُطلق عليهم النار؟ لم يسموني مرة زنجياً، لم يضايقوني ويفلتوا الكلاب البوليسية علي. لم يحرموني من جنسيتي، يغتصبوا أمي ويقتلوها وأبي... العدو الحقيقي هو هنا"، في إشارة إلى التمييز العنصري المشين الذي تعرض له السود في الولايات المتحدة والذي لمس آثاره في حياته هو كل يوم، حتى بعدما صار "التشامب" (البطل). وأضاف :"حذروني أن موقفي هذا سيكلفني ملايين الدولارات. ليس لدي ما أخسره بالدفاع عن مبادئي. فلأذهب إلى السجن. لا بأس، نحن في سجن منذ 400 سنة".
وهو يروي أنه عام 1960، وكان عمره 18 سنة، فاز بميدالية ذهبية في الملاكمة في الألعاب الأولمبية في روما. كان شديد الزهو بها ويضعها فوق ملابسه. لكنه ألقاها ذات ليلة في نهر أوهايو حين رفض مطعم صغير تقديم الطعام له. حينها لم يكن أميركياً بما يكفي، ولا بطلاً، كان مجرد شاب أسود.
عام 1970 خاض محمد علي معركة حياته الكبرى ليستعيد رخصته لمزاولة الملاكمة ولقب البطولة، إذ نقل المواجهة إلى حلبة المحكمة العليا بعدما حُكم عليه بالسجن خمس سنوات. ما تعرض له جعله أكثر نضجاً ووعياً. صحيح أن الملاكمة كانت شغفه، لكنه وضعها في إطارها المجتمعي، رياضة عنيفة للسود لتسلية البيض. قال عنها:"نصف الجمهور يكون من البيض. نحن مجرد عبدين في تلك الحلبة. الأسياد أحضروا اثنين من أكبر عبيدهما السود. يجعلوننا نتقاتل ليراهنوا علينا".
في نظر كثيرين، لم يكن كلاي داعية للحقوق المدنية، فهو لم يكن من أنصار مارتن لوثر كينغ، إذ اختار عام 1964 "أمة الإسلام"، وهي جماعة متطرفة معادية للبيض أجمعين. مهما يكن من أمر، من الإنصاف القول إن محمد علي لم يكن مؤطراً، كان ذاته قبل أي شيء آخر. فحين اغتال أحد أعضاء الجماعة مالكوم أكس عام 1965 مع أنه كان مقرباً منها ثم صار ينتقد تشددها، أدرك أنه قد يكون الضحية التالية. وكان الحريق في منزله رسالة واضحة، فتطلب الأمر وقتاً قبل تحرره من سلطة الجناح المتشدد فيها.
في مذكراته المعنونة "روح الفراشة" عام 2004، كتب محمد علي الذي كان قطع صلته بمرشده السابق مالكوم أكس إرضاء لـ"أمة الإسلام"، أن "إدارة ظهري لمالكوم هي الغلطة التي ندمت عليها طوال حياتي. أتمنى لو كنت استطعت إبلاغه أسفي، والقول له إنه كان محقاً، لكنه اغتيل قبل أن يتسنى لي ذلك... في تلك المرحلة لم أكن مستعداً للتشكيك في تعاليم إيلايجا محمد"، زعيم الجماعة الذي كان مالكوم أكس يعتبره جاهلاً بتعاليم الإسلام وغارقاً في الحقد.
التقى الرجلان مصادفة في غانا بعد قطيعة. و"حين جاء ليحييني، أدرتُ ظهري، فصار فراقنا علنياً". مرت سنون قبل أن يدرك كلاي خطأه. فإيلايجا محمد كان كارهاً للبيض ويعتبرهم أبناء الشيطان، بينما "أدرك مالكوم الحقيقة، أن اللون لا يصنع من الإنسان شيطاناً. القلب والروح والعقل هي ما تحدد الإنسان... كان مفكراً رؤيوياً وسبقنا جميعاً".
أخطأ كلاي وأقر بذلك، وتصالح مع نفسه فوجد سلامه الداخلي. وأثر في كثيرين. تخيلوا أن زعيم جنوب أفريقيا التاريخي نلسون مانديلا قال إن محمد علي أعطاه الأمل وهو مسجون في جزيرة روبن آيلاند. ويملك باراك أوباما، الرئيس الأسود الأول لأميركا، قفازاً استخدمه كلاي مرة في مكتبه في البيض الأبيض.
[email protected]
twitter:@SawssanAbouZahr

 

خط أحمر كارثي وحذارِ ما ينتظرنا في الخريف!



إظهار التعليقات

يلفت موقع النهار الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

Digital solutions by WhiteBeard
Digital solutions by WhiteBeard