وداعُ غونتر غراس: مرحٌ على شفا الإنتهاء

1 حزيران 2016 | 19:15

المصدر: "النهار"

لا يُتقن كثيرون الإحتفاء بالحياة حين يقفون عند شفا الموت، أو لنستعِر التعبير الذي يستخدمه الكاتب غونتر غراس بنفسه، حين يقفون عند شفا "الإنتهاء". يختار معظمهم التحسّر والتململ بينما يجابه البعض الآخر اليسير الحكاية المحتومة في تحدّ ومرح وسكينة، على نسق غراس. إنها إحدى خصال الكاتب الحميدة، ربما لأنه أدرك مُبكراً ان الفن هو مكان اللا تنازل في مواجهة حياة لا تكون سوى في وفرة التنازلات، وها إنه يطلّ من نافذة نص يصدر في أعقاب وفاته ويتّخذ هوية "عن قابليّة الإنتهاء" مسلطاً الضوء على حقيقة الحقائق كلها.

يوغل النص المنقول إلى القشتالية أخيرا لدى دار "ألفاغوارا" والواقع في نصوص عدة وكان أنجزه غراس في أعوامه الأخيرة، في الحميميّة والغبطة والهدوء والفكاهة في قالب يقترض من الشعر والنثر والبحث ويعرّج على الذكريات الشعريّة والنثر الوداعي، حيث قصيدة يسمّيها في أوضح ما يكون: "بورتريه ذاتي".

ها هنا يتمهّل غراس عند لحظات تضطلع بنسج لحظات تشكّل الناس عموما وغونتر خصوصاّ وقذفت به إلى آذان العالم لتتكرّس موهبته من خلال تاج الجوائز الأدبية أي "نوبل" الآداب.
على أكثر من مستوى يتقدّم "عن قابليّة الإنتهاء" كوثيقة رسمية بل وصيّة لا يمكن التشكيك في مصداقيتها حيث يكتب "ضمير ألمانيا" كما سميّ، عن مواطنته المُستشارة الألمانية انغيلا ميركل في مقاربة نقديّة لاذعة بعنوان "أميّ" وحيث يصوّب سهامه على سيدة "لا تقول شيئا في كلمات كثيرة" تأسرها مجموعات ضغط تسعى للربح "وتبتزّها كمثل المافيا". ثم لا يلبث غراس أن يهشمّ التحالف بين حزبها وبين الحزب الديمقراطي الإشتراكي الألماني الذي يناصره فيكتب "في وسعها أن تتحالف مع الجميع، إلى حين يجفّ حليبهم".

إعتاد غراس استقدام التهكّم والفظاظة والأسطورة والكاريكاتور ولا شك في أنه لن يسمح لسقف نصه الوداعي أن يكون أكثر انخفاضا من سابقاته. وإذ يبدو شديد الإخلاص في هذا المنحى فهو شديد الإلتزام في شؤون العالم المعاصر أيضا. لا يتردّد في استنكار العنف الذي يلفّ العراق وغزّة الذي استحال، على ما يشير، كنسخة من ألعاب الكترونية أو دعابة منشورة في إحدى الصحف.

يتراءى غراس في سنه المتقدمة مُستلهما جميع أدواته التعبيرية كملاذ يخرجه من حتميّة النكوص، والحال انه يندفع صوب التصوير فيجعل رسومه تزيّن صفحات الكتاب في حركة يبرّرها جزئيا في كلام استهلالي بعنوان مؤلم : "أن يكون المرء منبوذا". يسجل من خلاله نسقاً من تعبير ضروري عن تلاشي الجسد وعن وعي هذا الواقع. نقرأ "حين يُجبِر القلب والرئتان والأعضاء، مرّة تلو المرّة، مُدخّن الغليون ( أي غراس) على قصد مشغل الصيانة، حيث يضطر هو، تماما مثلي أنا - المرء الذي يُرثى له- (..) إلى تحمّل كمية متزايدة من الحبوب الملوّنة وذات الأشكال الدائرية والمستطيلة والتي يجري التهامس في خصوص عوارضها الجانبية. حين يطرح العمر في تقدمّه استفهامات من نوع "كمّ من الوقت لا أزال أملك؟" و"ولكن لماذا؟" ولا يبدو له هيناّ تخيّل الصور أو إدخال الكلمات، وحين يجفّ النبع الأخير (...) يجلبون لي أوراقا وقلم رصاص وفرشاة رسم (..) فأروح أستعجل الأكواريل، وأروح أكتب متمتعاً ومن دون مراعاة للإتقان، وخاشياً النكسة. أبدأ بالعيش مجددا وإن اعتراني شيء من القلق".

والحال ان هذا المناخ الباحث عن القائم بين حديّ المفقود والمرتجى، ينسحب على نص آخر بعنوان "الوفرة" حيث حديث عن خريف العمر من طريق وصف ورقة معزولة تتخذ في يباسها هيئة الذهول فتستمتع ثم تلوذ بالهوامش معلنة إنها "تتجمّد في نشوتها".
انه غراس كما عرفناه يقدح شرارة ذهنه مجددا، وإنه غراس ربما كما لم نعرفه أبداً أيضاّ، أكثر استرضاء طبعاً وإنما أكثر حنوا على نفسه، خصوصاً.

علاء أبو فخر: الحكاية الجارحة

إظهار التعليقات

يلفت موقع النهار الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

Digital solutions by WhiteBeard
Digital solutions by WhiteBeard