بين "الغارديان" ومايتون... وصورة مصر!

28 نوار 2016 | 13:37

المصدر: النهار

في عالمنا الثالث يُعطى كل ما يصدر عن مطبوعة غربية أهمية مضاعفة، خصوصاً إذا عُثر في طياته على عبارة صغيرة يمكن استخدامها في تمجيد الزعيم وتكريس الوهم عن مكانته الدولية المزعومة. في عالمنا هذا تُترجم المقالات بتصرف، وشبه تحريف أحياناً، لتُستخدم في الدعاية الرسمية، في حين تُثبت العودة إلى النص الأصلي أنه يكاد لا يشبه ما صدر مُترجَماً.

في زمن السرعة والمنافسة ومواقع التواصل الاجتماعي، قد تخطىء الصحف، سواء بالتساهل في معايير التوظيف، فتتراجع الكفاية أمام التقشف في الرواتب، أو في عدم التدقيق في كل ما يُنشر قبل خروجه إلى العلن.

"الغارديان" اعتذرت الخميس. بدأت القصة بتلقي شكاوى من مصادر تنفي ما نُسب إليها في تقرير لجوزيف مايتون نُشر في شباط، وهو صحافي أميركي يتعامل على أساس حر مع الصحيفة البريطانية منذ أيار 2015، بعدما كان يكتب لها مقالات رأي منذ عام 2009 متنقلاً بين لندن والقاهرة.
وفي رواية الصحيفة أنه لما عجز مايتون عن توفير "أدلة مقنعة" على إجرائه تلك المقابلات لموضوعه، لجأت إلى مدقق لتقصي الحقائق، بما في ذلك ما يتعلق بأعماله السابقة المنشورة منذ عام 2009. وخلص إلى أن عشرات المصادر التي اعتمد عليها لم يكن لها وجود، وأنكر كثر ما نسبه إليهم من مواقف. وقالت "الغارديان" إن الصحافي نفى اختلاق ما نشر، ممتنعاً في الوقت نفسه عن تقديم مُدوناته وملاحظاته التي استند عليها للكتابة، وكذلك أرقام هواتف المصادر وعناوينها. فقررت تالياً سحب 12 من تحقيقاته ومقال رأي واحد من موقعها الالكتروني، مبقية في المقابل على كل ما ثبتت صحته.
وفي رسالة إلى القارئ لمكاشفته واستعادة ثقته، لم تقصر الصحيفة اللوم على الصحافي الذي كانت "نوعية كتاباته في البداية تنسجم مع معاييرنا، فبدأت بيننا علاقة عمل تقوم على الثقة". ذلك أنه خلال مسار التدقيق في عمله، "تساءلنا بعمق عما كان يمكننا القيام به بصورة مختلفة وتوصلنا إلى نتيجتين حاسمتين. علينا أولاً أن نعرف أكثر الصحافيين الذين نعمل معهم على أساس حر قبل أن يبدأوا في الكتابة لنا بصورة دورية. معظمهم أشخاص لم يسبق لنا لقاؤهم، لكننا نضع قدراً من الثقة في أن ما يرسلونه إلينا صحيح. وعلينا ثانياً التدقيق أكثر حين لا يُسمى أشخاص في الموضوع من دون أسباب قوية تجيز ذلك. علينا إعادة النظر في استخدام المصادر المجهولة في أي تحقيق، وهذه سياسة نلتزم بها، لكننا لم نفرض تطبيقها بصرامة"، مع استثناء ما يتعلق بمسائل الأمن القومي أو يعرض حياة المصادر للخطر، وهذا لم يكن مطروحاً في أي مما كتبه مايتون.
إلى هنا يبدو الأمر عادياً. فالمعايير الصحافية في الغرب ذات قدسية واحترامها واجب، ومن يخالفها لا يُرحم، وإن كان صاحب اسم رنان. وما تعرض له فريد زكريا قبل سنين دليل واضح على أن أحداً لا ينعم بحصانة حين يثبت ارتكابه الكذب أو السرقة الفكرية.
لكن ما ليس عادياً أن تخرج صحف عربية لم يسبق لها يوماً الاعتذار من قارئ ولا حتى احترامه، لتهاجم "الغارديان"، لا لشيء إلا لأن مايتون كتب بعض ما كتب من مصر. وتالياً فهو مراسل لها من القاهرة، وكل ما صدر في المطبوعة البريطانية العريقة عن مصر مختلق، وإن لم ينشره مايتون نفسه. ومن المضحك المبكي أن يذهب البعض إلى اعتبار أن "الغارديان" مملوكة من "المال السياسي الذي يُمول "الإخوان المسلمين"، وأن يضعها في خانة التآمر على الرئيس المشير عبدالفتاح السيسي، ويطالب "النيويورك تايمس" هي أيضاً باعتذار. ففي نظر هؤلاء، كل ما يُنشر عن أحوال مصر المتدهورة جزء من مؤامرة خارجية مزعومة.
لنسلم جدلاً أن جوزف مايتون أخطأ، ذلك لا يعني أن معظم ما كتب غير صحيح، وهو كان شهد ثورة "25 يناير" 2011 واقتيد إلى مركز احتجاز عسكري مع زميل مجري يدعى مارك فودور أثناء تغطية الأحداث وتسارعها قبيل سقوط الرئيس الأسبق حسني مبارك. وتوقيفه أثار ضجة حينها واستدعى تدخل السفارة الأميركية في القاهرة.

كتب مايتون عن إقصاء الكوميدي الساخر باسم يوسف، وهذا غير مُختلق. قال إن الأقباط يواجهون مضايقات متزايدة، وهذا واقع. أشار إلى أن الفضاء العام يضيق في وجه النساء، وهذا مُعاش يومياً. لفت إلى أن فسحة التعبير الحر تختنق، واكتظاظ السجون المصرية بالناشطين والصحافيين دليل على ذلك.
وفي حسابه على "تويتر" الذي يحمل صورة صورة لعلم مصري من إحدى التظاهرات، رد على "الغارديان" بالقول إنه سلم تسجيلات هاتفية لمقابلات تُثبت حقيقة إجراءها، وإنه أجرى الأحاديث الأخرى على هامش التظاهرات، لكنه لا يملك دليلاً لأنه لم يعد يحتفظ بأوراقه بعد مرور سنين على ذلك، وهو لا يبقي على ملاحظاته ومُدوناته عادة لأكثر من أشهر قليلة.
وكما أعلنت الصحيفة أنها انتهزت الحادثة لإجراء مراجعة لأدائها، أقر مايتون أنه كان عليه تسجيل المقابلات وعدم التخلص من أرشيفه. ورأى أن الصحافيين غير المُتعاقد معهم هم دائماً الضحية، إذ "يسهل التخلص منهم" و"يكونون دائماً كبش المحرقة"، مع أنهم "يكافحون يومياً للحصول على القصة، ويخرجون إلى الناس ويعملون على الأرض، وهذا ما لا يقوم به الصحافيون الثابتون في المكاتب".
ربما كانت "الغارديان" بالغت في التشدد مع مايتون، مع العلم أنه من الصعب حقاً على صحافي الاحتفاظ بكل أوراقه لسنين، لكنها محقة في التحري احتراماً للقارئ والمصادر والصدقية. وربما كان هو مقصراً في عدم توفير مزيد من المعلومات والخلفية لناشريه في حينه مع كل تحقيق، لكنه محق في إثارة مسألة غياب الحقوق والحماية القانونية للصحافيين غير المتعاقدين والصحافيين عموماً.
وفي كل الأحوال، فإن القضية بين الطرفين محض مهنية. وتحويلها من قبل البعض "انتصاراً قومياً" لمصر على "مُشوهي صورتها"، مهزلة بحق.

[email protected]
twitter :@SawssanAbouZahr

 

والدا الكسندرا يكشفان تفاصيل اللحظات الأخيرة: الحساب آتٍ!



إظهار التعليقات

يلفت موقع النهار الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

Digital solutions by WhiteBeard
Digital solutions by WhiteBeard