كانّ ٦٩- "أميركان هَني" لأندريا أرنولد: صورة أميركا الأخرى تستحقّ جائزة

21 نوار 2016 | 10:27

المصدر: "النهار"

"أميركان هَني" يبهر بديناميكيته ويتبنى خطاباً مشاكساً. ثالث مشاركة للمخرجة البريطانية أندريا أرنولد في مسابقة #مهرجان_كانّ، لم تُحدث إجماعاً، فانقسم حولها النقاد، مثلما انقسموا حول العديد من الأفلام في هذه الدورة (١١ - ٢٢ الجاري). نحن من الذين أبهرهم هذا العمل المتكامل العناصر، حيث تولد من رحم كلّ لحظة، لحظة أخرى أكثر تكاملاً. أرنولد، صاحبة "صندوق السمك"، تمرّ طريقها هذه المرة في أميركا. أميركا تلك بطرقها التي لا تنتهي، بجنونها المتفلت، بموسيقاها الصاخبة، بشبابها الحرّ. هذا "رود موفي" مشبّع بأغنيات البوب والروك، بالهلوسة والمجون والجنس وأشياء أخرى تعترض الطريق التي يسلكها الأبطال. أسلوب التصوير جذري، فيه استخدام مفرط لانقطاعات النبرة في المونتاج. الفيلم يأخد الطريق مسرحاً له، لكن لا يتماهى كلياً مع التقليد الأميركي العريق. فهناك تجديد ونفحة حرية وخروج عن الدروب المطروقة، بقدر ما كان في "ايزي رايدر" لدنيس هوبر من هذا كله يوم خرج إلى العلن. لاري كلارك وهارموني كورين وصوفيا كوبولا يحضرون كلهم في هذا الفيلم الذي يحاول تدوير هذه الأسماء باصرار على هضم الأسلوب. أرنولد تمنح مساحة تعبير للشباب الأميركي المهمش الذي لم يحظَ بفرصة الالتحاق بكبار الجامعات والتمتع بحياة ميسورة. الموسيقى هنا حضن، الجنس بدعة، الحبّ خلاص. وسط كلّ هذه الفوضى، تجد أرنولد ما تقوله.

كلّ شيء يبدأ مع انضمام فتاة اسمها ستار (ساشا لاين) إلى شلّة مراهقين يجوبون المناطق لبيع اشتراكات لمجلات. نشاهد عبورهم الغرب الأوسط الأميركي (الأكثر تخلفاً في أميركا) بسيارات الفان، مُحدثين صخباً رهيباً. يقيمون في فنادق رخيصة ويسهرون حتى بزوغ الفجر. يمتدّ الفيلم على نحو ثلاث ساعات، ويعمل بمنطق التراكم الكيفي والكمي، ثم لا يلبث أن يتحول إلى وثائقي عن بزنس متنقل علمت عنه المخرجة من مقال نُشر في الـ"نيويورك تايمس" العام ٢٠٠٧. الفيلم يتطور بايقاع متقطّع وسريع، مكرور أحياناً، كنوع من تأكيد على الشيء. في هذا الوسط المراهق، تنشأ علاقة بين ستار وأحد الباعة في الشلة (شيا لابوف)، علماً أنّ الأخير دلوع الرئيسة المستبدة التي تشرف على عمليات البيع واختيار الباعة. تحسن أرنولد توظف هذه العلاقة في إطار الحكاية العريضة، وتتيح مجالاً لبعض المَشاهد الجنسية المبهرة، كتلك التي تجري فصولها على العشب.

تعرف أرنولد كيفية تصوير الأجساد وهي تهوي أمام التعب والرعشة. "أميركان هَني" يرينا الصورة الأخرى لأميركا في زمن لا توجد فيه أي قضية، ناقلاً لحظة ضائعة في التاريخ، لحظة فراغ هائل، يسدّه الشباب بأجسادهم، وبكلّ أنواع التجاوزات وبحاجتهم الماسّة إلى المال. مع تراكم اللحظات في الفيلم، تصبح الصورة أكثر سواداً، هذه الأميركا العميقة لا تعود تبدو كالجنة الموعودة: فيها دين وفيها وحدة وفيها وطنية بلهاء كأي مكان آخر. ما نراه هو جيل لا أوهام له، كأنه يعيش بالاستعانة بعدما ورث من الجيل السابق كلّ الخيبات. أرنولد تقوم بخيارات فنية جريئة، غير ملتزمة بأي خريطة أمل ترسم طريق المستقبل. إنّها المغامرة كما ينبغي أن تكون، بنتائج غير مضمونة وتطلعات شبابية تدخلنا في حالة "ترانس" وتقودنا معها في رحلة تدريبية، بحيث لن تكون طريق الذهاب كطريق الرجعة.

إظهار التعليقات

يلفت موقع النهار الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

Digital solutions by WhiteBeard
Digital solutions by WhiteBeard