جبران الباريسي

18 نوار 2016 | 20:50

المصدر: "النهار"

أقرّ مجلس بلديّة باريس وبالإجماع منح أحد أماكن العاصمة الفرنسيّة العامة، هويّة كاتب من عندنا، وليس أقلهم شأنا أو انتشارا، جبران خليل جبران.
ربما جرى استبقاء الإسم على النحو الذي ذاع في الولايات المتحدة الأميركية، مُقتطعاً شيئاً من رنّته اللبنانية في قرن مضى والمُتمسّكة بثلاثية تجمع الإسم والشهرة ويتوسطّهما إسم الأب، غير ان اللوذ بالمقاربة اللفظيّة الأنغلوساكسونية - أي خليل جبران - دون سواها، لا يفسد في الودّ قضية ولا يقلّل من أهمية أن يدخل صاحب "النبي" فهرس أسماء العلم المخلّدين في مدينة الأنوار.

الخبر مغبط بلا ريب، لاسيما بالنسبة لأولئك الذين انفصلوا جسديّا عن البلاد الهانئة بمآسيها عند الجهة المقابلة من حوض البحر الأبيض المتوسط، أولئك الذين هجعوا إلى "متروبول" الفرنسيّة فارين من جشع الساسة وصخب الفساد وقباحة الممالأة. كأن هؤلاء المقيمين في الهناك وعينهم على الهنا، لا يملكون سوى الإحتفاء بشيء من كبر الماضي تفاديا للتمعّن بحاضر لا يستهويه سوى تناسل الأهوال.
حين يتأمّل اللبنانيون البعيدون أو المبُعدون، لا فرق، سيرة جبران لا بدّ أنهم يشعرون بشيء من تماهٍ مع تلك المفارقة التي شكّلها امرؤ لبناني عبّ طفلاً هواء الأرز الشافي ومات مُبكراً في مطلع شهر نيسان في نيويورك، بعدما استبد السلّ بنسيج رئتيه فصار مجوّفا كمثل الكهوف، قبل أن يمنّ عليه الزمن فيجعله أحد أسماء العظمة في مدينة قال فيها فلوبير إن "عدم حبها علامة من علامات الإنحطاط". قد يتأمل اللبنانيون هذا القدر الذي يجعل البعيد من المسقط لصيقا به والمقيم فيه يشعر بنفور تلقائي منه.

ربما تصيب اللوثة اللبنانيّة جميع الآتين من بلدان العذاب السرمدي، وربما نجد في أساطير تنتسب إلى ثقافة أشباهنا من الوافدين من البلدان المشرّعة على استفهام الهوية، تفسيرا مقنعاً. ها هو الألباني اسماعيل كاداريه يبرز من بين تلك الأصوات التي تأمّلت طويلاً في أوطانها العصيّة على الفهم، فاستبقى في كنف رواية مضبوطة بهوية "النسّر" الطائر الثنائي الرأس الذي يتوسط علم بلاده. جعل روايته تستعيد اسطورة قديمة عن رجل يتدحرج الى المطهر لينقذه أحد النسور من مخالب العذاب النفساني، غير ان النسر يحدّد في مقابل مبادرته السخيّة ثمنا موجعاً، أن يقتات بمنقاره كتلاً من لحم ذراعي الرجل. على نحو ما هذا هو قدرنا أيضا، أن نؤجل المواجهة من خلال مبادرات موضعية تنقذنا اليوم وتعطّل المستقبل.
بالنسبة لنا، نحن الذين نراوح مكاننا في لبنان ونمارس حركة الجيئة والإياب، مرة أو مرات حتى، ينتسب جبران خليل جبران الى الأمس الأدبي وسواه ويكاد لا يجد مكانا له في اليوم أو الغد. غير أن جبران العائد اليوم من البوابة الفرنسيّة، ترك في "النبي" ما يصلح وصية لأبناء جلدته كاتباً "ليس الأمس سوى ذكرى اليوم والغد حلم يومنا هذا".
أيقن أن معنى الزمن الذاتي والتسلسلي لا بدّ أنه فات مواطنيه.
أدرك ان جلادتهم على إدراك الراهن مجرد أسطورة.

roula.rached@annahar.com.lb
Twitter: @Roula_Rached77

إظهار التعليقات

يلفت موقع النهار الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

Digital solutions by WhiteBeard
Digital solutions by WhiteBeard