هكذا كتب غسان تويني من فلسطين وعنها

14 أيار 2016 | 12:35

المصدر: النهار

عام 1948، منتصف ليل 14-15 أيار انتهى رسمياً الانتداب البريطاني على فلسطين. تزامناً أعلن "المجلس اليهودي الصهيوني" قيام دولة اسرائيل على القسم المخصص لليهود بموجب قرار التقسيم واندلعت أولى الحروب العربية-الاسرائيلية وانتهت بصورة كارثية بالنكبة الأطول في التاريخ.
في بيروت كانت الأحداث المتسارعة الشغل الشاغل للأوساط السياسية والصحافية، فالخطر على الحدود ولا يمكن تجاهله. ولبنان كان مدركاً حجمه وأبعاده، ومعه مصر وسوريا والعراق والأردن واليمن والسعودية، وقد أرسل كتيبتي مشاة من 450 جندياً للمساهمة في التصدي للعصابات الصهيونية. وكل المعطيات تشي بأن الأسوأ واقع، بدليل أن اعتراف الولايات المتحدة بدولة اسرائيل تم بعد 11 دقيقة من إعلانها.

في 14 أيار 1948، وكان يوم جمعة، خصصت "النهار"، الصحيفة اللبنانية التي كان لها من العمر 15 سنة، صفحتها الأولى كاملة لفلسطين، من أنباء الانسحاب البريطاني، إلى مشروع أميركي بتعيين مفوض سام لـ"فلسطين كلها"، ونشر خريطة لتوزع القوات العربية.
وكتب الشاب غسان تويني افتتاحية بعنوان "الهدنة وسيلة لتنفيذ التقسيم" بموجب قرار الجمعية العمومية للأمم المتحدة الرقم 11 للعام 1947. كان يتوقع "زحف الجيوش العربية إلى فلسطين لصيانة عروبتها ... وإرضاء الشعوب التي لم تعد تحتمل فشلاً آخر". وحذر من أن "الهدنة، في حال قيامها، إنما تتيح للصهيونيين أن يرصوا صفوفهم ويُدخلوا إلى فلسطين ألوف المهاجرين المُدربين وكميات هائلة من الأسلحة، فضلاً عن أنها قد لا تحول دون إعلان الدولة اليهودية مهما تكن شروط المهادنة وسهر القائمين على تنفيذ بنودها".

 

وصدق حدس تويني. هو كان كتب تلك السطور قبل الانطلاق في رحلة افتخر بها على الدوام بين المحطات الأهم في حياته المهنية الحافلة في الصحافة والسياسة والديبلوماسية. في عدد الخميس 20 أيار يروي أنه كان في قرية المفرق، وهي نقطة التقاء للمواصلات الرابطة بين بغداد وعمان، ودمشق وعمان، وعمان وحيفا.
لأنه "لا يسع صحفياً يؤمن برسالة الصحافة" تتبع أخبار "المعركة الحاسمة" وهو "جالس إلى الطاولة يطيل النظر إلى الخريطة"، ذهب إلى أرض الحدث. ليلة 15 أيار كان بلغ عمان، يأمل في "نهاية الكابوس الفلسطيني"، وتختلج في صدره مشاعر الفخر والتفاؤل كذاك المُسن الفلسطيني الذي خر ساجداً للدعاء للجنود العرب، وذلك الضابط الأردني الشاب الذي حرمته الأوامر العسكرية "شرف المشاركة في المعركة التحريرية". "ما أنبلها مهمة تؤديها جيوش الدول العربية المستقلة، مكرسة بعملها العسكري عهد النهضة والانعتاق والبعث"، يكتب الصحافي موثقاً لحظة تاريخية.
وفي عدد 21 أيار المزيد من مشاهدات رئيس التحرير الشاب من الجبهة الشرقية. كتب عن البلاغ العربي الأول الخاص بسحق الجيش الأردني قوات عصابات "الهاغانا" في كفر عاصيون. النص رسم في ذهنه الكثير من التساؤلات. هل تعني الفقرة التي حددت وقوع المستعمرة اليهودية في "المنطقة العربية بحسب قرار التقسيم"، اعترافاً ضمنياً به، وتالياً أن مهمة الجيش الأردني تنحصر في تلك الأراضي وليس فلسطين برُمتها. وما هي "الدولة العربية" التي سحق الجنود المستعمرة دفاعاً عن سلامتها؟ هل ستقوم دولة في المناطق العربية الملحوظة بقرار التقسيم، أم أن المقصود بذلك المملكة الهاشمية نفسها بعد ضم ما صنفه قرار التقسيم أرضاً عربية.


ومن المفارقات أن تلك الهواجس التي أقضت مضجع تويني شاباً وواكبته طوال حياته، على حالها إلى اليوم. فتلك "الدولة العربية" لم تبصر النور. ومن المؤسف أن تكون السُلطة الفلسطينية كياناً هزيلاً تُمسك اسرائيل بموارده وتحاصره سياسياً واقتصادياً، إذ بالكاد يحكم مقر المقاطعة الضفةَ الغربية، بينما قرار التقسيم، ولا جدال في إجحافه حين صدوره، أعطى الفلسطينيين 45 في المئة من أرضهم التاريخية. وكانت الدولة التي نص عليها لتشمل عكا والناصرة، إلى جنين ونابلس ورام الله وأريحا والخليل وبئر السبع، وغزة وخان يونس على أن تكون بيت لحم والقدس تحت مظلة الوصاية الدولية.
نعود إلى تلك الأيام الحاسمة كما رواها تويني. في صدر عدد السبت 22 أيار مقابلة مع قائد الجيش الأردني اللفتانت جنرال جون باغوت غلوب المعروف بـ"كلوب باشا". أصر على لقائه وسأله بلا مواربة كيف يوفق بين كونه بريطانياً وقيادة حملة عسكرية موجهة ضد "دولة" اعترفت بها حليفة لبريطانيا، في إشارة إلى اسرائيل التي لم يسمها أو يعتبرها دولة. أجاب العسكري "من دون تردد" أنه "غير مقيد بالتزامات بلاده وتعهداتها الدولية". وهل سيتخلى عن منصبه بعد تحرير فلسطين، جاءت الرد خالياً من ذكر فلسطين، أشبه بقصيدة استشراقية عن شمس الشرق الساطعة وجوه البديع. رد غير متوقع من عسكري يضطلع بمهة شديدة الخطورة ولا يزال دوره إلى اليوم مثيراً للجدل.

من جسر اللنبي إلى أريحا استغرقت الرحلة نصف ساعة، على ما يُخبرنا تويني في عدد 23 أيار 1948. في باحة مركز الشرطة شاهد دبابات كُتب على مقدمتها "إلى تل أبيب" وجنوداً يفحصون الآليات والأسلحة ويصلحونها وينشدون الأغاني القومية.

ومن أريحا إلى نابلس، ثلاث ساعات بالسيارة في مسار قطعته كذلك عربات تجر مدافع ضخمة وسيارات نقل لجنود شاهري السلاح.
يزداد تويني اقتراباً من الخطوط الأمامية. ها هو يروي في عدد 25 أيار المزيد عن تلك المهمة الصحافية التي انتقلت من مرحلة النزهة إلى طور الجهاد. في رام الله التقى قائد الموقع الأردني صدقي بك القاسم الذي شرح أن دوره ينحصر في حصار القدس دون الاشتراك في العمليات. كان ممكناً سماع قصف مدفعي عنيف. إنه جيش الإنقاذ العربي، جيش المتطوعين الذي تكون في كانون الأول 1947 بقيادة السوري فوزي القاوقجي، يضرب أهدافاً يهودية في القدس. وفي وقت لاحق تفقد الصحافي مواقع المدفعية و"شاهدنا بالمنظار المكبر الحرائق تشتعل في أكثر من حي". وفي طريق العودة إلى رام الله مر بمستعمرة يهودية مدمرة، مبنية "فوق الأرض وتحتها، من الاسمنت المسلح، وحولها أبراج المراقبة وأعشاش المدفعية"...

وبعد ذلك، رجع تويني إلى عمان، منهياً مهمة صحافية استثنائية ومقدماً شهادة في حينه وكل حين عن حماس كثير وجهود عربية مشتركة ذهبت سدى وضاع معها وطن ولا يزال.

[email protected]
twitter :@SawssanAbouZahr

والدا الكسندرا يكشفان تفاصيل اللحظات الأخيرة: الحساب آتٍ!



إظهار التعليقات

يلفت موقع النهار الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

Digital solutions by WhiteBeard
Digital solutions by WhiteBeard