عن سريبرينيتشا السورية ومحاكمة الأسد!

30 نيسان 2016 | 13:50

الدم والموت ولا شيء سواهما. أطفال وأشلاء. صور لقسوتها يصعب تصديقها، يقف المرء أمامها مدهوشاً ذاهلاً واجماً، ثم يدرك أنه شاهد مثلها قبلاً، صورة أخرى لطفلة قُطع رأسها قبلاً وتناثر لحماً وعظماً أمام جثتها، في مدينة سورية أخرى تعجز الذاكرة عن استعادة اسمها. فكل المدن السورية مسارح لمجازر، بالكيميائي، بالبرامل، بالصواريخ، بالتجويع. كل المدن السورية على طريق الإبادة.

هل أعرب بان كي-مون عن قلقه أم بعد؟ هل تحركت الإدارة الأميركية لتُبدي انزعاجاً شكلياً أم أن الإرهاب في نظرها يقتصر على ولد فلسطيني يحمل سكيناً وفتاة في الثانية عشرة تُسجن في اسرائيل لأشهر؟ هل أدركت أوروبا ما الذي يدفع الآلاف إلى ركوب المجهول بحثاً عن بارقة أمل لم تعد متاحة على أبوابها حيث الأقفاص والأسوار؟

الأحمر في كل مكان، أحمر الدم في #حلب، وأحمر التعاطف الذي يُغرق مواقع التواصل الاجتماعي ويكاد يطوف من شاشات الحواسيب والهواتف. وصمتٌ أسود ثقيل أقسى من الأحمر، صمت كأنه يقول "دعوه يقتل بعد حتى تنضج التسوية".
تلك هي الحقيقة المرة، ومعركة عض الأصابع المُرعبة تخاض بالأشلاء وأمام الناجين الذين ينشدون الموت للخلاص من جحيم أرضي كذلك الطفل الذي خاطب جثة شقيقه متمنياً أن يكون مكانه، وتلك المرأة التي لفها الذهول وغبار الحطام من حيث خرجت وتحجرت نظرتها أمام هول ما عاشت.
يتحدثون عن الهدنة ويتمسكون بها ويساومون لإحراز الأهداف، وكل ما يُقال منفصل عن الأرض المحروقة. وليست المعارضة، أو المعارَضات، أفضل حالاً بعدما أفقدها التدخل الجوي الروسي قبل أشهر بعض أهم معاقلها في الشمال السوري. لكن حلب مستثناة من الهدنة، الصفقات تُرسم والسكان متروكون للموت تحت ناظري عالم مشغول بترتيبات أخرى.

في مقابلة نُشرت اليوم مع أحمد كمال، المستشار الإعلامي لـ"الائتلاف الوطني لقوى الثورة والمعارضة السورية"، في صحيفة "الشرق" القطرية، وَرَدَت حلب عرضاً، وكأنها لزوم ما لا يلزم في إطار انتقاد أداء المبعوث ستافان دي مستورا. كأنها تفصيل، ربما كما كانت مضايا ومخيم اليرموك في لعبة شطرنج الدم الدولية هذه.
عُنوِن عن "معلومات مؤكدة عن قبول روسيا برحيل الأسد". فقد قال كمال :"وصلتني معلومات مؤكدة بأن هناك صفقة روسية أميركية تقضي برفع يد الغرب عن أوكرانيا في مقابل الانسحاب الروسي الكامل من سوريا ورفع الغطاء عن الأسد ومن ثم القبول برحيله بعدما صار عبئاً على حلفائه. وهذه معلومات جديدة جداً وليست تحليلات، وقد أُبلغت بها الأسبوع الماضي من مصادر موثوقة داخل الأمم المتحدة".

وأضاف أن أميركا "تريد أن تجعل القضية السورية مُلحقة بسيطة من الموضوع الأهم بالنسبة إليها، وهو محاربة (تنظيم "الدولة الإسلامية") "داعش". وهذا خطأ فظيع، فنحن في "الجيش الحر" الممثل للشعب السوري، حاربنا "داعش" من اليوم الأول. لكن، يا للأسف، اكتشفنا أن هذا الأمر فخٌ نُصب لنا كي نحارب الفرع، "داعش"، ونترك الأصل، وهو النظام، وأن نحارب النتائج لا الأصل... ونحن على يقين تماماً أننا إذا قضينا على "داعش" كلية فلن تُحل القضية السورية. النظام قادرٌ على أن يخلق "داعش" ثانية بمسمى آخر. ففي يداية الثورة عام 2012، لم تكن "داعش" موجودة ولم تُحل القضية".
يرحل الأسد قريباً إذاً إلى ملاذ آمن، حراً طليقاً معززاً مكرماً من دون محاكمة، فيسعد الجميع. وتبقى الأنقاض، أنقاض البشر والبلاد. والأطفال في حلب بلا أطباء بعد مقتل محمد وسيم معاذ، طبيبهم الأخير في الأحياء الشرقية للمدينة، في قصف مستشفى القدس في حي السكري الأربعاء الذي تلاه استهداف مستوصف حي المرجة أمس ومركز بستان القصر الطبي اليوم.
ووفق بعثة منظمة "أطباء بلا حدود" في سوريا، لم يبق سوى 70 طبيباً للاهتمام بنصف مليون شخص. أي معجزات يستطيع هؤلاء اجتراعها؟
بلا عناية طبية، ولا كهرباء، والآن بلا مياه في حلب القديمة وبعض الأحياء الشرقية بعد قصف محطة مياه باب النيرب مرتين أمس، الأولى لتعطيلها والثانية لوقف أعمال الإصلاح. حياةٌ بلا حياة في حلب.

هي سراييفو الجديدة، سريبرينتشا الجديدة، وفق "الواشنطن بوست"، و"مصيرها بالنسبة إلى النزاع السوري يجب أن يكون كما كان مصير سراييفو وسريبرينيتشا بالنسبة إلى الصراع في البوسنة، فرصة للولايات المتحدة لتستعيد زمام المبادرة وللغرب ليصرخ بصوت واحد، كفى".
ومعلوم أنه بعد مجزرة سريبرينيتشا نضجت التسوية السياسية التي أدت إلى اتفاقات دايتون التي طبختها الإدارة الأميركية لإنهاء الحرب في البوسنة. لكن جرائم الحرب هناك لم تمر مرور الكرام، والمحكمة الدولية ليوغوسلافيا السابقة خير دليل وآخر أحكامها إدانة الزعيم السابق لصرب البوسنة بالسجن 40 سنة لدوره في قتل الرجال والأطفال المسلمين في سريبرينتشا.
حلب هي سريبرينيتشا، سوريا كلها سريبرينتيشا...
سيرحل الأسد قريباً؟ حسناً، هنيئاً له، ولحُماتِه وخصومه، وهم لا يفعلون غير تكرار التصريح الباهت السخيف بأن لا مكان له في سوريا. ليرحل، لكن إلى قفص في محكمة خاصة تُنشأ للنظر في جرائم الحرب والإبادة في سوريا أو محكمة الجنايات الدولية. ولا ننسى أن المحكمة الدولية الخاصة بلبنان سترغب هي أيضاً في مقاضاته. حينها فقط، حين يرحل، لكن إلى حيث يجب أن يرحل، قد تجد أرواح الضحايا ومن بقوا مُحطمين في وطن محروق، القليل القليل القليل من العزاء.
[email protected]
twitter :@SawssanAbouZahr

 

خط أحمر كارثي وحذارِ ما ينتظرنا في الخريف!



إظهار التعليقات

يلفت موقع النهار الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

Digital solutions by WhiteBeard
Digital solutions by WhiteBeard