زوجٌ دُفن عاري القدَمين

27 نيسان 2016 | 19:21

المصدر: "النهار"

Nuit Debout. ليست العبارة الفرنسيّة التي يسعنا ترجمتها بـ "واقفين ليلاً"، هوية لإحدى الروايات المعاصرة الصادرة حديثاً، وإنما لحركة سياسية ناشئة فرنسياً، من رحم الإعتراض على تعديل قانون العمل في تلك الأنحاء.

أما اللافت فأن يُفرد للتخييل فصلٌ في أجندة المُحتجين فيستعيدوا أحد شعارات أيار 68 هاتِفين "السُلطة للخيال"، بعدما تراءى لهم - على ما يبدو - أن لا وظيفة للواقع، في جميع الحقبات، سوى أن يُخيّب الآمال.
في حين إتسَعت رقعة تمرّدها لتتسع لهواجس كثيرة، صارت الحركة شعبيّة وشارعيّة (نسبة إلى الشارع) بالمعنى الأكثر نبلاً. كأنها ومن خلال جعلها النطاق العام، مكانها، تقول بأنه المطرح الوحيد الواقع جغرافياً خارج الجدران- المعوقات كافة.
في فرنسا الأمينة على مؤسساتها - وإن مع بعض التجاوزات بلا شكّ - يخرُج الناس الى الساحة العامة مُعترضين، في تنويع على حركة مشابهة سابقة، في الولايات المتحدة الأميركية وفي إسبانيا.
وفي لبنان حيث ثمة سطو جليّ على المؤسسات بغية جعلها أسماء مفرغة من المعنى والدور، يغلبنا الإحساس بأن الساحة العامة المحلية، لا تمتّ إلى شاكلاتها في الأماكن الأخرى.

يحدُث في بلادنا أن يتآمر الشارع علينا وأن تختنق فيه اًصوات ظنّت أن اللجوء إليه ملاذ.
طالما كان الصوت حيلة المواطن الخائب الوحيدة في المحطّات المحورية.
في الأمس، في 26 نيسان، تذكّر العالم كارثة تشرنوبيل التي صار عمرها ثلاثين عاما، كأنه يحاول ومن طريق وفرة التغطيات الصحافية وزحمة الصور والأفلام الوثائقية التعويض عن صمت مريب كَمّ ما حدث، في لحظة حدوثه.
لم يكن التقصير آنذاك في التصرّف الخبيث فحسب، ذلك انه شمَل الاقتصاد في الكلام أيضا، في شأن إحدى أكبر الكوارث النووية في التاريخ. كان الحدث جرحاً لزجاً جرت محاولة تنظيفه بخرقة بالية.

وبينما سعى البعض إلى التقاط شذرات الكلام الممنوع، بان نص الكاتبة البيلاروسية سفيتلانا أليكسييفيتش الحاصلة على "نوبل" الآداب في 2016، كشهادة أليمة وضرورية. قصدَت أليكسييفيتش ذوي الضحايا وآخرين على صلة بالحادث، أنصتت إليهم وألقت كلماتهم بين دفّتي "أصوات من تشرنوبيل" لتستحيل الوشوشة صراخاً.

نجد في الكتاب شهادات قارصة تخترقها أحيانا محطّات من الصمت. أولى المتّحدثات ليودميلا انياتنكو وهي زوجة أحد رجال الإطفاء كان من بين أول الواصلين إلى المُفاعل النووي، بعد انفجاره. ها هي تنصرف إلى وصف تحلل بشرته، خلال الأسبوع الذي سبق وفاته، وها إن ألكسييفيتس تكتب بلسانها "لا أعرف ما ينبغي لي الحديث عنه – هل أتحدّث عن الموت أو عن الحب؟ وهل هما سيان؟ عن أي منهما يجب علي أن أحكي؟ كنا حديثي الزواج، لا يزال أحدنا يُمسك بيد الآخر، حتى إذا قصدنا المتجر. كنتُ أقول له "أحبُكَ". غير أني لم أعِ يومذاك، إلى أي حدّ".
تتقنُ ألكسييفيتش إمرار الذهول إزاء غير المُرتقب وتمسح بأسلوبها المباشر طبقات عدة في وجع امرأة تتكلم عن "مرض لا يمكن البرء منه" في حين كان في وسعها الجلوس قبالة المُصاب به لتراقبه يذوي، فحسب.

لم تعترض ليودميلا في الساحات العامة بيد أن صوتها وصلنا. لم تستعِن بالإحتجاج المدوّي على السياسة القذرة.
أخبرتنا فحسب عن زوج مُشعّ مات متورّم القدمين فلم يجدوا حذاء يلائمهما.
حدّثتنا عن زوجها الذي دُفِن عاري القدمين.


roula.rached@annahar.com.lb
Twitter: @Roula_Rached77

 

إظهار التعليقات

يلفت موقع النهار الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

Digital solutions by WhiteBeard
Digital solutions by WhiteBeard