بِحِمْل بطريركين يعود الدانماركيون: اوقفوا الحرب... لقد حصل خطأ كبير

15 نيسان 2016 | 18:49

المصدر: "النهار"

جرعة من الواقعية. جرعة قوية، بقدر عمق "الجرح". في مواعيد اليوم الاخير، عاد الوفد البرلماني والديني الدانماركي "بـحمل" بطريركين انطاكيين شرقيين: البطريرك الماروني الكاردينال مار بشارة بطرس الراعي، والرئيس الأعلى للكنيسة السريانية الأرثوذكسية في العالم البطريرك مار إغناطيوس أفرام الثاني. بالحاح، رفع الاول الصوت: "اوقفوا الحرب. هذا هو المطلوب". وعن مؤامرات تكلم الآخر، منها افراغ المنطقة من المسيحيين، وان الحرب في سوريا "ليست سورية". والكلام في "الصرحين" كان بلا قيود: "لقد حصل خطأ كبير".

"هناك محاولة متعمدة"
في مقر بطريركية السريان الارثوذكس في العطشانة، كان الموعد مع البطريرك الآتي من سوريا، والعائد اليها "بعد ساعة"، على قوله. وعن سوريا، كان الكلام، عن حلب وحمص والقريتين والقامشلية... عن "داعش" واوراق "الذمة" التي يجبر مسيحيين على توقيعها كي يبقوا في ارضهم، عن هجرة المسيحيين... حوار افضى خلاله الوفد بما لديه من تساؤلات ومخاوف وشكوك وآراء. والمتطرفون الاسلاميون اول "الحاضرين".

"ما يحصل في سوريا ليس حربا اهلية او سورية او دينية... انها حرب، لكنها ليست سورية"، يصر البطريرك أفرام الثاني على القول. "نعلم من البداية ان البلد يحتاج الى تأهيل. وكلنا اردنا التغيير، لكن ليس الى درجة دفع هذا الثمن الغالي من الدماء والدمار". ويصارح: "اشعر بان شيئا ما كان مجهزا لسوريا... هناك محاولة متعمدة وخطط مهيأة لفرض التغيير فيها".

عن مؤامرات يتكلم... ومنها "العمل على اخراج المسيحيين من المنطقة". لم يوجه اصابع الاتهام الى احد، لكنه يشدد على ان "الواقع الحالي يبين ان المسيحية تختفي لدينا". وسئل: كيف يمكن مساعدتكم؟ يجيب: "بمساعدتنا في البقاء في ارضنا وبناء كنائسنا ومدارسنا وشعبنا، يمكن تجنب هذا الافراغ... وايضا بالتشجيع على الحرية".

اراد الوفد ان يتعمق اكثر في تفاصيل تلك "المؤامرات"، في فرص التعايش في سوريا بعد ازالة "داعش"، في حيثيات المفاوضات، في دور ايران، في مصدر هذا التطرف الارهابي كله... "في الاعوام الـ20 الماضية، اقتحمت اديولوجيات سوريا، وساهمت اموال سعودية في بناء مدارس ومساجد عززت هذه الايدولوجيات بين الشباب السوريين. ثم جاء اليها كل المتطرفين في العالم"، يقول افرام الثاني. ويروي عن "اموال استخدمت لشراء الناس، كي يفتعلوا تظاهرات هنا وهناك. وكانت مجرد "فبركات".

بين "كرّ وفر"، يناقشه الوفد في التغيير المراد في سوريا، في التعايش المستقبلي، في حضور الامين العام للفريق العربي للحوار الاسلامي -المسيحي القس الدكتور رياض جرجور. وتتوالى الافكار: "لطالما عاش المسيحيون والمسلمون معا في سوريا قرونا"، "اذا تُركنا وحدنا، فسنجد حلا"، "بالطبع هناك دماء وواقع صعب سيترك اثرا. لكن الجميع متعبون مما يحصل". عمليات التحالف الدولي ضد "داعش"، تسليح المعارضة، نجاح المفاوضات او فشلها... ايا يكن، فان سوريا، كما عبّر عنها البطريرك "كانت علمانية، ونريد ان تبقى كذلك، قائمة على الحقوق والواجبات في المواطنة... ويجب ان يكون هناك حل سلمي".

في التطلعات، حكومة سورية "قوية، منفتحة على كل شعبها، وتؤمن حرية التعبير لكل الناس"، "ديموقراطية وحرية اكثر". وبسؤاله عن ترميم العلاقات الاسلامية- المسيحية، لا يخفي ان "الامر قد يتطلب وقتا، بسبب الكره والتباعد اللذين تسبب بهما الصراع. لكنه ليس مستحيلا"، لافتا الى مشكلة اكبر بين الافرقاء المسلمين، "بما يستلزم منا ان نجمع الناس، كقادة دينيين، وان نقيم مبادرات للتقريب بينهم". ماذا يقترح ايضا؟ "اعادة النظر في النصوص التعليمية الدينية والتربوية، منعا لتسلل التطرف الى رؤوس الاولاد، ونشر تعليم اكثر اعتدالا".

"اوقفوا الحرب"
حتى الساعات الاخيرة، واصل الوفد البحث عن اجوبة باسلوب الاسئلة المباشرة، والمناقشة منعا للاقناع السهل. وهذه المرة في بكركي... ويرد البطريرك الراعي على المصارحة الدانماركية بمصارحة مارونية لبنانية. "قبل الكلام على حوار اسلامي-مسيحي، مطلوب اولا حوار اسلامي-اسلامي، لان المشكلة حاليا بين المسلمين انفسهم". "يعيش المسيحيون مع المسلمين من 1400 عام، مما ارسى عيشا مشتركا بينهم، ونقلنا خلاله قيمنا المسيحية والاجتماعية والديموقراطية والاعتدال". "للاسف، الطريقة التي تدخل بها الغرب في المنطقة شكّلت خضة كبيرة لنا".
بلمحة بصر، تمر صور مأسوية دموية من العراق، وصولا الى سوريا. "بلدان تدخلت، عن قصد او غير قصد، وتم دعم المنظمات الارهابية بالسلاح والمال. لقد حصل خطأ كبير"، يقول بحزم. ويصر على التأكيد: "وراء تلك المنظمات، دول تدعمها". يؤثر عدم تحديد اسماء، "الدول تعرف بعضها البعض"، يجيب السائل. "هناك دولتان تتحاربان من اجل مصالحها الاسترتيجية السياسية والاقتصادية، ولديهما حلفاء في الشرق والغرب".

يتكرر السيناريو نفسه في الحوار وتبدال الآراء... ولدى البطريرك ما يقوله: "المطلوب اولا رفع الصوت عاليا: اوقفوا الحرب... من يقومون بالحرب يعرفون جيدا كيف يوقفونها. ثانيا لا نحتاج الا الى الاستقرار". ويضيف "عودة اللاجئين الى بيوتهم وبلدانهم"، وايضا "انقاذ حضور شعبنا المسيحي والمسلم في هذه الارض. لقد شكلنا معا هوية وثقافة. ونحتاج الى الحضورين المسيحي والاسلامي معا".

وكما يبدي الدانماركيون خشية من انتشار التطرف الاسلامي في بلادهم، يبدي البطريرك بدوره خشية "ان يغادر المسلمون المعتدلون المنطقة، وان يواصل المسيحيون الهجرة، فتبقى الساحة للمتطرفين والارهابيين". ويتدارك: "هذا الامر لا يشكل خطرا علينا فحسب، انما ايضا على كل العالم. وبدأت نتائجه بالظهور في اوروبا...".

ما يأسف له هو ان "الارهاب اخذ بعدا عالميا. وعلينا محاربته، ليس بالسلاح فحسب، انما ايضا بالتعليم والاعلام والعمل السياسي". ويتدارك: "نحن امام جرح لكل البشرية"... "مطلوب التربية على السلام"... "ويجب الا تنظر القوى الغربية الى مصالحها فقط، بل الى مصالح كل الانسانية".

تتعاقب الاسئلة، اخذ ورد... ويؤمن البطريرك بانه "اذا كانت النيات حسنة، يمكن الدول الغربية ان تؤدي دورا جيدا، وان تضغط على الدول المعنية، لاسيما السعودية وايران، لوقف الحرب. على هذه الدول ان تتعايش معا". كلمات اخيرة يخاطب بها الوفد: "لا تغادرونا خائبين. نحن نتكلم على جرحنا. لكننا ابناء الرجاء".

في الساعة اللاحقة، التقى الوفد اللجنة التنفيذية لرابطة الكنائس الانجيلية في الشرق الاوسط. وتناول البحث الوجود المسيحي.
تكريم
وبعد الظهر، شارك الوفد في احتفال دعا اليه "ملتقى الاديان والثقافات للتنمية والحوار" في مطعم الساحة- طريق المطار، كرّم خلاله "مجموعة من كبار العاملين في مجال الحوار والتقريب في لبنان": الأمير حارس شهاب، الدكتور محمد السماك، الدكتور حسين يتيم، الدكتور القس رياض جرجور، المحامي ملحم خلف، والقاضي عباس الحلبي، "تقديراً لجهودهم العلمية والثقافية مساهماتهم في توطيد الحوار وقيم العيش المشترك".

ويغادر الوفد بيروت غدا، عائدا الى الدانمارك.

Hala.homsi@annahar.com.lb

 

إظهار التعليقات

يلفت موقع النهار الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

Digital solutions by WhiteBeard
Digital solutions by WhiteBeard