الانترنت غير الشرعي فضيحة عنكبوتية بفضائح كثيرة

15 نيسان 2016 | 11:03

المصدر: "النهار"

هل ستظهر فضيحة الانترنت الى العلن، ام ستبقى ملفاً سائغاً نتناً بينَ ادراجِ الدوائر القضائية والمحاصصات السياسية؟

نعم انها فضيحة مدوّية، انها صورة حية عن كيفيّة سيطرة اصحاب المصالح على اصحاب السلطة. ها هو القضاء العسكري، يخلي سبيل مشتبه فيه مع مجموعته بالاعتداء على موظفي هيئة أوجيرو. في دولة أشبه بمزرعة، موظفون رسميون يعملون بإشارة نائب عام مالي، ويقوم مدني بإعتراض عمل النائب العام المالي فيخليه نائب عام عسكريّ، ونبقى نسأل: هل ما زلنا امام مرحلةَ الاشتباه؟!

اهلا بكم في دولة التسويات.

نعم منذ نحو شهر ونصف الشهر، فاتحنا وزير الاتصالات بطرس حرب باكتشاف مذهل، خلاصته ان الامن القومي اللبناني قد اختُرقَ من قبل المخابرات الاسرائيلية، وان امن لبنان ومؤسساته وجيشه بخطر. قامت الدنيا، وهبَّ الغيارى وثار الاعلام وهتف الشعبَ الوطنيّ الحريص، وعلت صيحات المدافعين عن الجيش، وتحركت هيئة اوجيرو والنيابات العامة كلًها، وبعد شهر ونصف، ليس من موقوف واحد بالتنصت، وليس من مشتبه بهِ بالترصد ولا بأي إختراق لأي محطة او مؤسسة! الم يتمّ ضبط اجهزة؟ الم تُجرَ تجارب رقميّة على معدّات الارسال والاستقبال؟ الم يتبيّن من اينَ مصدر التحميل الرقمي وما اذا كانت الاجهزة تلك هي اجهزة الياف ضوئية؟ طبعا لا. ولماذا؟ لانه وبسحر ساحر تم ارتكاب الاخطاء التقنية نفسها التي ارتكبت عند اكتشاف محطة الباروك. امام أعين المتابعين للملف، هذا ما حصل. فعندَ إكتشاف الخرق الخطير، تحركت عناصر اوجيرو ، وفككت الاجهزة . ولكن الم يكن الاجدر بالنيابة العامة ان تقوم بإعطاء الاشارة بوقف عمل المحطات المشبوهة، وختمها بالشمع الاحمر واجراء التجارب الرقمية عليها؟! لماذا لم تبادر اقلّه لمعرفة قوة التحميل فيها، ومن اي جهة خارجيّة يتم استجرار الانترنت؟! ربما ليس ذلك من الضرورة، لان المعيار الأهمّ في لبنان وفي كيفية عمل مؤسساته اصبحَ معيار الافتراض. كيف؟ الجواب بسيط وعلى الطريقة اللبنانية: نرى الواقعة ومرتكبيها ونفترض امراً وتبدأ الحلول على اساس هذا الافتراض. وليس أدلٰ على ذلك من ان تقنييّ اوجيرو يؤكدون ان الكابل البحري في منطقة نهر الكلب هو من الالياف الضوئية والقاضي صقر يَصرّ على انهُ معدّ لنقل صورة رقمية اي "دشّ".

اين هم اصحاب المحطات التي اكتشفت معداتها واجهزتها وبالأدلٰة الموقٰعة من كل منهم؟ لماذا لم يتم توقيفهم؟ اي تحقيق يجرى معهم؟ طالما هناك هدر في خزينة الدولة تقول وزارة الاتصالات إنه يفوق الستين مليون دولار، وتذهب وزارة المال ابعد بتقدير الخسائر السنوية ما بين ٢٠٠ و٤٠٠ مليون دولار ؟ اين هي الاجهزة التي تغاضت عن وقف عمل هذه المحطات غير الشرعية؟ كيف ادخلت معداتها وتجهيزاتها دون حسيب أو رقيب؟ لماذا لم يكشف الجيش على هذه المعدات اثناء دخولها المرافئ العامة وفق ما ينصّ عليه القانون؟ اين هم عناصر الجمارك والامن العام وقوى الامن الداخلي المتأهٰبون لأي شاردة او واردة في المطار والمرفأ؟ اذا تجرٰأ مواطن على إصلاح نافذة في بيته الذي يدلف تهب القوى الامنية لتتمرجل عليه وتبطش بتسطيرها عليه ضبط مخالفة. كيف تمٰ ادخال اطنانٍ من الكابلات والاجهزة والصحون اللاقطة والهوائيات ولا من سأل ولا من رأى؟ أنها أكثر من مخالفة، انها عمليات تهريب موصوفة.

كيف وصل أمراء الانترنت غير الشرعي الى أن يمنّوا على مؤسسات الدولة بشبكاتهم العنكبوتية التي تسلٰلت الى داخل وزارة الدفاع ومجلس النواب والقصر الجمهوري ووزارة العدل وغيرها...؟

منذ الرابع من اذار تقدّم وزير الاتصالات بدعوى امام النيابة العامة التمييزية وامام النيابة العامة المالية على شركات تعمل خلافاً للقانون ضمن الاراضي اللبنانية، وتستقدم سعات دولية مجهولة المصدر، فلماذا لم يتمّ التحرٰك للكشف على الكابل البحري الا بعد اربعين يوماً من الشكوى؟ لماذا لا ينسٰق القضاء العسكري مع النيابة العامة المالية، ولماذا لا يستعين بالفنيين والخبراء اصحاب الاختصاص؟

اين وصلت التحقيقات الموزٰعة على اربع مسارات تتضارب وتتداخل دون تنسيق؟ هل ستكمل لجنة الاتصالات النيابية معركتها التي دخلتها بقوة الوحدة، ام انها ستتراجع بانفراط عقد اعضائها تحت وقع التدخلات السياسية والمصلحية؟

كل ما عرفناه عن التحقيقات في الساعات الاخيرة ان اعتراض عمل القوى الامنية ، وحجز حرية موظفين لم يثبت بعد انه حتى مخالفة.

اجل التحقيق ماضٍ على مساراته الأربعة، وعسى ان يبقى فيه شيء بارز فلا يضيع مساراً وراء آخر، وتطمس الحقائق ، ويعود السارق والمجرم أقوى الى ساحة عمله من جديد ، في دولة الاوكار المحميّة، دولة شبكات الفساد العنكبوتية، دولة حاميها حراميها.

أراني بهذه التساؤلات كقاضٍ مجرٰد مستفرد مغلوب على أمره ما عليه الا أن يسكت ويغطٰي أو تُلٓفّ حول عنقه خيوط عنكبوت شبكة مصالح عابرة للسلطات والطوائف والاصطفافات في واحدة من فضائح العصر في بلد "طلعت ريحته" واعتاد أهله روائحه النتنة.

 

إظهار التعليقات

يلفت موقع النهار الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

Digital solutions by WhiteBeard
Digital solutions by WhiteBeard