سلامٌ إلى دير ياسين وقانا

9 نيسان 2016 | 14:27

المصدر: "النهار"

في مثل هذا اليوم، وحدهم #الفلسطينيون يتذكرون ما حدث قبل 68 سنة. وقد ينسى بعضهم على وقع اللهاث اليومي على الحواجز #الاسرائيلية وهرباً من رصاص عبثي وقتل متعمد، ويتناسى البعض الآخر في ظل الخلافات الداخلية والانقسام الذي لا تلغيه المصالحات الشكلية.
في زمن الذاكرات العربية المثقوبة والمجازر اليومية في #سوريا و#العراق و#اليمن، هل نستعيد ما حدث بعيد منتصف ليل التاسع من نيسان 1948؟
المكان دير ياسين، قرية زراعية تبعد ستة كيلومترات عن القدس غرباً وترتفع 700 متر عن سطح البحر. الساعة الثالثة فجر يوم جمعة. معظم الرجال خارجها يشاركون في معركة بلدة القسطل المجاورة التي قاتلت بشراسة حتى سقطت صباح الثامن من نيسان وشُيع قائد مقاومتها عبدالقادر الحسيني في المسجد الأقصى.
من محاور الشرق والشمال والجنوب اقتُحمت دير ياسين من عصابتي "أرغون" و"شتيرن ليحي" اليهوديتين العسكريتين، وكل منهما برئاسة رجل صار رئيساً لورزاء الدولة التي قامت لاحقاً وسُميت اسرائيل. أحرق أزلام مناجيم بيغن وإسحق شامير المدججين بأسلحة كثيرة والمدعومين من دبابات، المنازل بمن فيها، وفجروا الأرزاق بالديناميت. قتلوا كل من حاول الفرار بالرصاص والسكاكين، فسقط 360 فلسطينياً في إحصاء للجنة الدولية للصليب الأحمر، وهم أكثر من نصف سكان دير ياسين.
قاوم الموجودون من رجال القرية وشبانها، وعددهم نحو 80 شخصاً، بما استطاعوا وما امتلكوا من أسلحة بدائية، فأردوا أربعة من المهاجمين الذين استدعوا تعزيزات من قيادة "الهاغاناه". لكن المعركة لم تكن متكافئة، فانتهت بمذبحة. صُفَ كثيرون على الجدران وأُعدموا جماعياً. وفي شهادات ناجين يتناقلها فلسطينيون من جيل إلى آخر ووثقتها "شبكة القدس الإخبارية" أن بطون الحوامل بُقرت وبُترت أثداؤهن، وذُبحت نساء واغتُصبت فتيات، وقُتل الأطفال أمام أمهاتهن وأُلقي بعضهم أحياء وراء أسوار المدينة القديمة. وقُطعت أطراف الرجال وأعضاؤهم التناسلية. وتحول بئر القرية مقبرة جماعية وفاحت رائحة الموت بدل زهر الفواكه في مطلع الربيع. واقتيد 25 رجلاً إلى داخل التجعات اليهودية في القدس في عرض للتباهي مستوحى من المقاتلين الرومان، قبل قتلهم بالرصاص. وبعد المذبحة تغيرت هوية القرية المستباحة فاستوطنها يهود لإخافة سكان القرى المجاورة وتهجير سكانها طوعاً ليتوزعوا في شتات لا ينتهي.
ويُعتقد أن وحدات تابعة لجيش الإنقاذ العربي كانت على مسافة دقائق من القرية، لكنها لم تتدخل للتصدي للعصابات اليهودية بحجة قرب موعد انسحابها وعدم تلقيها أوامر بمساندة أهل القرية ورفض كتيبة بريطانية السماح لها بالتقدم. ويُقال إن فتاة فلسطينية استلقت لساعات إلى جانب أقربائها الموتى، تُمثل الموت لتنجو منها، تمكنت من الفرار واستنجدت بالوحدات العربية. كانت في حال يُرثى لها لكنها قوبلت بالتجاهل، وكانت تلك الخيبة الأولى وتلتها خيبات كثيرة من العرب.
وبعد سنين قال بيغن متباهياً إنه لولا سقوط دير ياسين لما أمكنَ قيام اسرائيل. فبعدها توالت المجازر في الطنطورة حيث دُفن الفلسطينيون أحياء، والدوامية حيث سقط 500 شخص، ومعها دهمش ويازور وسعسع ودير الشيخ وعقور وعلار وسواها كثير. كل تلك المجازر التي يقارب عددها المئة أدت إلى تهجير 350 مدينة وقرية من أصل 450 سيطرت عليها العصابات اليهودية في عملية تطهير عرقي ممنهجة.
كان ذلك قبل زمن محكمة الجنايات الدولية والمنظمات الغربية المدافعة عن حقوق الإنسان، فمر إجرام العصابات، ولا يزال من دون عقاب. فلم يمثل بيغين وشامير وبعدهما أرييل شارون وشمعون بيريس وإيهود باراك وبنيامين نتنياهو أمام القضاء الدولي بتهمة التطهير العرقي وارتكاب جرائم ضد الإنسانية، ولا صدرت مذكرة توقيف دولية بحقهم على غرار عمر البشير ورادوفان كرادزيتش.
بخلاف دارفور وسريبرينيتشا، لا تزعج العدالة الدولية نفسها بالتحقيق وتقصي الحقائق عند أطراف القرى الفلسطينية وراء جدار الفاصل حيث يقضم الاستيطان الأراضي وتُقتلع الأشجار وتُدك المنازل. ولا يدخل المحققون الدوليون المعتقلات الاسرائيلية حيث يقاوم الأسرى بلحمهم الحي المضرب عن الطعام ويُحتجز قُصر وبالغون من دون محاكمات ويُجردون من الحماية القانونية.
ولو أراد الفلسطينيون إحياء ذكرى الجرائم كلها، لأمضوا أيام السنة يبكون على قرى وناس. ومع ذلك، لا ينسون ولا يعتبرون أن الحقوق تسقط بالتقادم. اليوم خرجوا في تظاهرات مستذكرين الضحايا الأوائل على درب الجلجلة الأطول في العالم. اليوم أيضاً سقط جرحى بالرصاص الاسرائيلي والغاز المسيل للدموع. اليوم أيضاً رشقوا جنوداً اسرائيليين بالحجارة ورفعوا العلم والكوفية وشارة النصر.
من دير ياسين إلى قانا في جنوب لبنان، لم تتوقف المجازر وإن اختلفت الأدوات. وإذ نتذكر دير ياسين في 9 نيسان، لا ننسى أن الذكرى العشرين لمجزرة قانا الأولى في 18 نيسان تحل بعد أيام. سلامٌ لأرواح الأبرياء هنا وهناك، ضحايا العصابات التي سرقت وطناً وأقامت لها دولة.
[email protected]
twitter : @SawssanAbouZahr

 

ميسي وفابريغاس وجوزيف عطية والمئات يوجهون رسالة إلى هذا الطفل اللبناني



إظهار التعليقات

يلفت موقع النهار الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

Digital solutions by WhiteBeard
Digital solutions by WhiteBeard